مع اقتراب انطلاق العام الدراسي، يعود الأهل إلى السؤال التقليدي نفسه: أي مدرسة؟ أي اختصاص؟ وأي جامعة تضمن لأولادنا مستقبلًا أفضل؟
لكن في لبنان الذي تغيّر كثيرًا منذ الأزمة الاقتصادية عام 2019، لم يعد هذا السؤال ترفًا تربويًا، بل أصبح سؤالًا اقتصاديًا واجتماعيًا يتعلق بمصير جيل كامل.
فبينما تتواصل طوابير الطلاب نحو الجامعات، وتتزايد أعداد حاملي الشهادات الجامعية، يجد كثير من الخريجين أنفسهم بعد سنوات الدراسة أن خياراتهم كانت خاطئة، في سوق عمل ضيقة وأجور لا تتناسب مع سنوات التخصص، أو وظائف بعيدة عن اختصاصاتهم.
وفي المقابل، تبحث مؤسسات وشركات ومصانع عن تقنيين وحرفيين ومهنيين في مجالات تحتاجها السوق فعلًا، من الكهرباء والميكانيك والتبريد والتكييف إلى التصنيع الرقمي واللحام والصيانة والتقنيات الصناعية.
هنا تظهر المفارقة اللبنانية الأكثر وضوحًا: لدينا خريجون يبحثون عن عمل، ولدينا أصحاب عمل يبحثون عن خريجين. لكن الاثنين لا يلتقيان.
دراسة أعدتها منظمة العمل الدولية بالتعاون مع جمعية الصناعيين اللبنانيين في 2024 تكشف جانبًا من هذه الفجوة. فقد أفادت 75% من المؤسسات الصناعية التي شملها المسح بأنها تحتاج بصورة ملحّة إلى تقنيين، بينما تحدثت 62% من المؤسسات عن وجود شواغر، وأشارت نحو نصف المؤسسات إلى نقص في العمالة. وتشمل الحاجة اختصاصات مثل الكهرباء والميكانيك وCNC (تصنيع قطع دقيقة) والتبريد والتكييف واللحام، إضافة إلى مهارات جديدة مرتبطة بالأتمتة والبرمجة الصناعية.
وأصبح السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم، هل يستطيع التعليم المهني أن يتحول إلى أحد مخارج لبنان من أزمة البطالة، وأن يمنح الشباب سببًا للبقاء في وطنهم بدل أن تصبح الهجرة الخيار الطبيعي بعد التخرج؟
الصورة الإجمالية لتوزع أعداد الطلاب في لبنان بين التعليم العام والمهني
في التعليم العام، وفق أرقام وزارة التربية والمركز التربوي للبحوث والانماء فقد بلغ عدد التلامذة في لبنان للعام الدراسي 2023- 2024 (1,083,849). أما التعليم المهني والتقني فبلغ، وفق أرقام المديرية العامة للتعليم المهني والتقني، نحو 107,526 طالباً في المدارس والمعاهد المهنية والتقنية العامة والخاصة، أي أن المهني يشكل تقريباً 9 % من مجموع طلاب التعليم العام + المهني إذا جمعنا القطاعين بهذه الطريقة.
لكن هذه النسبة تتغير جذرياً بحسب المرحلة، لأن التعليم المهني يبدأ فعلياً كمسار بديل خصوصاً بعد المرحلة الأساسية
المرحلة التعليم الأكاديمي/العام التعليم المهني والتقني الملاحظة
ما قبل الابتدائي 198,662 – أكاديمي/عام عملياً
الأساسي – الحلقة 1+2 533,550 – أكاديمي/عام
الأساسي – الحلقة 3 / المتوسطة 209,607 مسارات مهنية مبكرة محدودة نقطة بدء الانتقال للمسارات المهنية
الثانوي 142,030 نحو 107,500 هنا يظهر الانقسام الحقيقي بين العام والمهني
أرقام التعليم العام أعلاه مأخوذة مباشرة من جدول CRDP الذي يوزع 1,083,849 تلميذاً بحسب المرحلة.
ماذا يعني ذلك عملياً؟
النظام اللبناني هو في الأساس مساران متوازيان عند المرحلة الثانوية:
1- المسار الأكاديمي العام
بعد 9 سنوات من التعليم الأساسي، ينتقل الطالب إلى الثانوية العامة لمدة 3 سنوات، والفروع تشمل العلوم العامة، علوم الحياة، الاجتماع والاقتصاد، والآداب والإنسانيات. يقود المسار إلى البكالوريا اللبنانية ثم إلى الجامعة.
2- المسار المهني والتقني
يمكن للطالب الدخول في مسارات مهنية وتقنية بمستويات وشهادات مختلفة. في المستوى الثانوي توجد البكالوريا الفنية BT، إلى جانب مسارات مهنية أقصر أو أكثر تطبيقية، ثم مستويات مثل الامتياز الفني TS والإجازة الفنية وغيرها.
والتعليم المهني ليس محصوراً بالثانوية فقط، توجد برامج تبدأ من مستويات أدنى وتستمر إلى التعليم التقني العالي.
والأهم: نسبة المهني ترتفع كثيراً في الثانوية
بحسب بيانات اليونسكو لعام 2024، كان 26.7 % من طلاب المرحلة الثانوية العليا (Upper Secondary) في لبنان مسجلين في برامج مهنية، أي تقريباً طالب واحد من كل أربعة طلاب في هذه المرحلة. وفي المرحلتين الإعدادية والثانوية معاً كانت النسبة 15.8 %.
وهذا يفسر لماذا لا يصح القول إن (9% من الطلاب لبنانيين مهنيون) وكأنها النسبة في كل الأعمار: النسبة الإجمالية منخفضة لأن معظم الأطفال في الابتدائي والمتوسط موجودون في التعليم العام، أما عند الثانوية فتقترب حصة المهني من الربع.
توزيع التعليم العام نفسه
من أصل 1,083,849 طالباً في التعليم العام 2023-2024:
1: 198,662 قبل الابتدائي- 2: 533,550 ابتدائي – 3: 209,607 متوسط/حلقة ثالثة من الأساسي – 4: 142,030 ثانوي.
أي أن حوالي 351,637 طالباً فقط كانوا في المرحلتين المتوسطة والثانوية معاً، وهما المرحلتان اللتان يظهر فيهما المسار المهني بصورة أساسية.
المديرة العامة للتعليم المهني والتقني هنادي بري وعلى صفحتها الخاصة تؤكد إن التعليم المهني والتقني في لبنان، ليس مجرد مسار دراسي، بل هو خيار وطني استراتيجي يهدف إلى إعداد جيل من الشباب القادر على الإنتاج والابتكار والمساهمة الفاعلة في تنمية الاقتصاد الوطني وإعادة بناء لبنان.
مكداش: التعليم المهني لم يأخذ حقه
أحد رواد التعليم المهني والتقني في لبنان، وصاحب مؤسسة تعليم مهني وتقني خاصة منتشرة في مختلف المناطق اللبنانية الدكتور عبد القادر مكداش أوضح أن” أكبر ظلم يصيب التعليم المهني هو جهل أهمية التعليم المهني والتقني”، مشيراً الى أن “التعليم المهني لم يأخذ حقه في لبنان، فلا يوجد مسؤول رسمي وحكومي يتكلم ويضيء على أهمية التعليم المهني والتقني ويعطيه حقه، وهو يعمل منذ زمن للتعريف بهذا القطاع وشرح أهميته”، ومطالباً ب”وزارة خاصة للتعليم المهني والتقني”.
وظيفة مؤسسات التعليم المهني
ولفت مكداش الى أن “أزمة الانهيار المالي والاقتصادي التي ضربت لبنان في 2019 أظهرت أن التعليم المهني هو الضمانة الحقيقية، حيث كل أصحاب الوظائف تضرروا بشكل كبير ومرتباتهم لم تعد تساوي عشرات الدولارات، أما المهنيين فحافظوا على مستوى معيشتهم ومداخيلهم وكأن شيئاً لم يكن”،مضيفاً :” إن التعليم المهني ليس فقط للطالب المتعثر بل للمتفوقين ايضا، فلسنوات طويلة، ارتبط التعليم المهني في الوعي الاجتماعي اللبناني بصورة الطالب الذي لم ينجح في المسار الأكاديمي، فتحوّل إلى ما يشبه “الخيار الثاني” في نظر كثير من الأهل. وهذه الصورة النمطية لا تقل خطورة عن المشكلات التقنية التي يعانيها هذا القطاع، لأنها تجعل بعض الأهل يفضّلون الجامعة حتى عندما تخرّج عاطلين عن العمل في وطنهم ومشاريع هجرة”.
وأشار مكداش الى أن “الوعي بأهمية التعليم المهني يزداد يوما بعد يوم، فكثيراً من التلامذة ينوؤون بثقل المناهج التربوية في التعليم العام من مواد ربما لا تكون ضرورية للاختصاص الذي يختارونه وفي نفس الوقت تكون سببا لتسربهم المدرسي. فيشكل التعليم المهني والتقني سفينة النجاة لهؤلاء الطلابً والطريق الاسهل من أجل اختيار مستقبلهم ونجاحهم وحصولهم على مدخول مادي في سن مبكرة”.
التعليم المهني يواكب التطور
ويتابع مكداش: “لا يعني تقديم التعليم المهني بوصفه بديلًا عن الجامعة، بل بوصفه مسارًا موازيًا له. فالفني المتخصص في أي نوع من المهن يمتلك مهارة إنتاجية تكون ذات قيمة اقتصادية مباشرة. كما أن التعليم المهني يحتاج إلى مناهج حديثة، ومختبرات مجهزة، ومدربين مواكبين للتكنولوجيا، والأهم إلى تدريب فعلي داخل أماكن العمل. حيث قمنا بادخال التدريب على التعامل مع الذكاء الاصطناعي ضمن التعليم المهني، مع كل المهارات والكفاءات الت يتجعل من الخريج لي سفقط أن ينجح في الامتحانات الرسمية بل أيضا في سوق العمل”.
وتبدو تجارب اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية مثالًا لافتًا على الدور الذي يمكن أن تؤديه العلوم المهنية والتقنية في النهوض الاقتصادي. فقد ساهم الاستثمار في العلوم المهنية وتخريج الفنيين، في تحويل المهارات التقنية إلى قوة إنتاجية أساسية في إعادة الإعمار وبناء اقتصادين بين الأوائل عالمياً.
عندما لا تتطابق الشهادة مع الوظيفة
وفي قراءة احصائية على أرض الواقع تبين لي المشكلة الأصعب تتعلق بمدى تطابق المهارات التي يكتسبها الشاب مع المهارات التي تحتاجها المؤسسات. وهنا يصبح السؤال عن التعليم مرتبطًا مباشرة بالسؤال عن الاقتصاد. فإذا كانت المؤسسات الصناعية تحتاج إلى فنيين في الكهرباء مثلاً، وكانت قطاعات أخرى تشهد توسعًا في الطاقة الشمسية والخدمات المتعلقة بها، فمن الطبيعي أن تكون هذه الحاجات جزءًا من التخطيط للتعليم والتدريب.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ظل التغير السريع في طبيعة المهن. فالتقني المطلوب اليوم لا يحتاج فقط إلى مهارة يدوية، بل إلى القدرة على التعامل مع الأنظمة الرقمية، وقراءة المخططات، وتشخيص الأعطال، واستخدام تقنيات التحكم والأتمتة. وهذا يعني أن تحديث التعليم المهني يجب أن يكون عملية مستمرة، لا مشروعًا ينتهي بمجرد تعديل المناهج.
التعليم المهني والهجرة
لا يستطيع التعليم المهني وحده أن يوقف الهجرة. فقرار الشاب بالرحيل يرتبط بالأجور، والاستقرار الاقتصادي، وفرص العمل، والظروف السياسية والاجتماعية، والفارق الكبير بين السوق اللبنانية والأسواق الخارجية.
لكن التعليم الجيد يستطيع أن يغير موقع الشاب في هذه المعادلة. فامتلاك مهارة تقنية مطلوبة يمنحه قدرة أكبر على الدخول إلى سوق العمل المحلي، أو إطلاق مشروع صغير، أو الانتقال إلى سوق خارجية وهو يحمل خبرة مهنية قابلة للاستخدام.
من هنا، لا ينبغي النظر إلى التعليم المهني باعتباره وسيلة لـ”منع الهجرة”، بل باعتباره وسيلة لمنح الشباب خيارات أوسع. فالمشكلة ليست في أن يهاجر اللبناني صاحب المهارة إذا اختار ذلك، بل في أن يضطر إلى الهجرة لأنه لم يجد في بلده فرصة تستفيد من مهاراته.
الاصلاح يبدأ بجودة التعليم وارتباطه بسوق العمل
مهما كثُرت المسوحات لحاجات القطاعات الاقتصادية، لن تأتي التوقعات متطابقة بنسبة مئة بالمئة، ولكن إذا أراد لبنان أن يحوّل التعليم المهني إلى جزء فعلي من الحل الاقتصادي، فإن الأولوية لا ينبغي أن تكون لزيادة أعداد الطلاب فقط، بل لتحسين نوعية التعليم وارتباطه بسوق العمل.
ويبدأ ذلك بمسح دوري لحاجات القطاعات الاقتصادية، بحيث تعرف الدولة والمعاهد ما هي المهن التي يزداد الطلب عليها، ثم تُبنى البرامج التدريبية وفق هذه المعطيات. ويأتي بعد ذلك توسيع التدريب داخل المؤسسات والمصانع، وإشراك أصحاب العمل في تحديث المناهج، وتطوير المختبرات والتجهيزات، وتأهيل المدرّبين.
كما يحتاج القطاع إلى مسارات واضحة تسمح لخريج التعليم المهني بالتقدم إلى مستويات أعلى من التخصص، بدل أن يشعر بأن اختياره للمهنة أغلق أمامه أبواب التطور الأكاديمي والمهني.
والأهم هو ربط التعليم بالقطاعات التي يمكن أن تشكل جزءًا من الاقتصاد اللبناني في السنوات المقبلة، من الطاقة المتجددة والأتمتة والتصنيع الرقمي والصيانة والخدمات التقنية إلى السياحة والضيافة والزراعة الحديثة والخدمات الرقمية.
النجاح يبدأ بعد التخرج
مع توسع الاهتمام بالتعليم المهني وظهور تخصصات جديدة، يصبح من الضروري ألا يُقاس نجاح أي برنامج بعدد المسجلين فيه فقط.
المعيار الأهم هو ما يحدث بعد التخرج: كم خريجًا وجد عملًا؟ كم منهم يعمل في اختصاصه؟ ما مستوى الأجور؟ كم استغرق العثور على الوظيفة؟ وما نسبة الذين استفادوا من التدريب العملي أو انتقلوا مباشرة من التدريب إلى التوظيف؟
هذه المؤشرات يمكن أن تعطي صورة أكثر واقعية عن جودة البرامج من أعداد الطلاب والشهادات وحدها. فقد يكون برنامج صغير يخرّج عشرات الفنيين الذين يجدون عملًا بسرعة أكثر فائدة للاقتصاد من برنامج كبير يخرّج مئات الشبان إلى سوق لا تحتاج اختصاصاتهم.
من الشهادة إلى المهارة
المسألة في النهاية ليست معركة بين الجامعة والمعهد المهني، ولا دعوة إلى تقليص التعليم الجامعي لصالح التعليم التقني. الاقتصاد يحتاج إلى الباحث والمهندس والطبيب والمعلم، كما يحتاج إلى الفني والكهربائي والمبرمج التطبيقي والعامل الماهر.
المطلوب هو أن تتوقف المنظومة التعليمية عن التعامل مع هذه المسارات باعتبار أن أحدها أرقى من الآخر، وأن تبدأ بالنظر إليها باعتبارها حلقات مختلفة في اقتصاد واحد.
فالجامعة تنتج المعرفة والتخصص والبحث، بينما يوفر التعليم المهني جزءًا أساسيًا من المهارات التطبيقية التي تجعل الآلات والمصانع والخدمات والبنى الإنتاجية تعمل. وعندما تنفصل هذه المسارات عن بعضها وعن حاجات الاقتصاد، تظهر المفارقة التي يعيشها لبنان اليوم: خريجون يبحثون عن وظائف، ومؤسسات تبحث عن مهارات لا تجدها.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في تخريج مزيد من حاملي الشهادات أو مزيد من أصحاب المهن، بل في بناء نظام تعليمي يعرف ماذا يحتاج الاقتصاد، ويستطيع أن يحوّل هذه الحاجة إلى برامج تدريب فعالة، ثم يتابع نتائجها بعد وصول الخريجين إلى سوق العمل.
في بلد يخسر جزءًا من شبابه بسبب الهجرة، ويواجه اقتصادًا ضعيف القدرة على خلق الوظائف، قد لا يكون التعليم المهني حلًا للأزمة كلها. لكنه يستطيع أن يكون إحدى الأدوات الأكثر واقعية لردم الفجوة بين التعليم والعمل.
والسؤال الذي ينبغي أن يرافق بداية كل عام دراسي لم يعد فقط: ماذا سيدرس أبناؤنا؟ بل أيضًا: ما الذي سيكونون قادرين على فعله بعد أن يتخرجوا؟
فإذا استطاع لبنان أن يجعل الإجابة عن هذا السؤال جزءًا من سياسته التعليمية والاقتصادية، يمكن عندها أن يتحول التعليم المهني من “خيار ثانٍ” في نظر المجتمع إلى مسار حقيقي لبناء المهارة والإنتاج وفرص العمل.
تحقيق: د. طوني وهبه
الوكالة الوطنية للاعلام
