صدر عن المجلس الثقافي للبنان الجنوبي:
تأبى خسارات الجنوب أن تهدأ أو أن تستكين، فتارة تداهمنا على شكل نكبات تستدعي عشرات السنين للخروج منها، وتارة أخرى تفجعنا بموت شاعر أو أكاديمي او أديب أو فنان. هذا ما حصل ليل أمس عندما حلّت الخسارة ضيفًا ثقيلاً على الجنوب وعلى المجلس الثقافي للبنان الجنوبي عندما انتشر خبر رحيل الشاعر المفكر مصطفى سبيتي، مالئاً بصوره المذيلة بالأسود صفحات وسائل التواصل الاجتماعي بعد أن ملأها طويلاً قصائد وكلمات. وأيضاً خبر رحيل البروفسور علي زيعور.
عن مصطفى سبيتي نقول، رحل حافظ “المتنبي” عن ظهر قلب، والمفتون به حتى الرمق الأخير، رحل من سكن الشعر والكلمة واللغة فسكنته، معها صار مصطفى قصيدة تتنفسه ويتنفسها، يعيش في قلبها ولا تغادره. رحل من سحره ابن المقفع في رائعته “كليلة ودمنة” فراح يتقفى أثر مكيافيللى وجذوره فيها.
مصطفى سبيتي الذي كان يعتبر المجلس الثقافي للبنان الجنوبي بيته الثاني، صديق امينه العام الأديب حبيب صادق عرفته منابر الشعر والأدب في كل لبنان ترك بصمة لا تُمحى وصورة لا تغيب، تسبقه قصائده المسبوكة بالفصحى، والتي كتبها وكتبته، نحتها ونحتته. على لسانه اكتسبت لوناً مختلفاً ونكهة مميزة، معها صار مصطفى شاعر الفصحى الجميلة ورائداً من روادها الأوائل والتي كشف معها عن مواطن الجمال ورشاقة اللغة.
برحيل الشاعر مصطفى سبيتي خسر الجنوب ولبنان واحداً من شعرائه المميزين، واحداً ممن عاشوا حياتهم شعراً ولم يغادروا بيت القصيدة، أضافوا إليه وإليها وجمّلهما وارتفع بهما إلى الأعلى. مصطفى سبيتي عاشق الجنوب وسمائه وأرضه ومياهه وهوائه، لم يبقَ شيء في الجنوب إلا وصار مع مصطفى قصيدة وكلمة.
بالأمس لم يرحل ابن بلدة كفرصير الجنوبية الشاعر مصطفى سبيتي وحده، بل رحلت قامة علمية وأكاديمية كبرى تركت بصماتها عميقاً في مجال الفلسفة، وهو البروفسور ابن بلدة عربصاليم علي زيعور. والراحل الذي تنقل بين بلدته الجنوبية والسوربون في باريس عاد إلى وطنه ليغني جامعاته بعلومه وبإسهاماته المعرفية التي أضاف بها وأصبحت مرجعاً للباحثين والطلاب والمؤلفين.
إنّ المجلس الثقافي للبنان الجنوبي وإذ ينعى الشاعر مصطفى سبيتي الذي سبقنا موته إلى تكريمه، ينعى أيضاً علماً من أعلام العلم والمعرفة البروفسور ابن بلدة عربصاليم البروفسور علي زيعور، وبرحيل القامتين ينزف الجنوب مبدعيه من شعراء ومفكرين ممن أغنوا بإبداعاتهم ليس الجنوب وحسب بل لبنان على امتداد مناطقه ومنتدياته وجامعاته.
