يمكن لقارئ رواية “وتحرر الحلم” أن يصفها برواية “السهل الممتنع”، في المعنى والمبنى والمضمون،
هي الإصدار الأول والرواية الأولى للشابة النشطة والمناضلة في قضايا حقوق الانسان وفلسطين و”العلمانية العقلانية” ليليان حمزة،
ليليان تستكمل نشاطها اليومي المكثف في أكثر من مجال بتجربة أدبية وروائية ذات طابع إنساني ووطني عميق.
تدور أحداث الرواية في بيئة جبل لبنان، بطلة الرواية “ريحان”، امرأة تجسد المعاناة والصمود والتحرر الجزئي في وجه الظلم والتهميش، وهي التي تحاول الربط بين أفكار التحرر التي تتبناها وبين الواقع.
قصة ريحان هي قصة كل امرأة في هذه البيئة الريفية التي تتمسك بالتقاليد والقيم والشعارات الوطنية والموازنة بين اليوم والغد، بين الحلم والواقع، بين الصح والخطأ على مقياس المحيط الاجتماعي،
الفتاة التي ولدت مباشرةً بعد الحرب الأهلية وعاشت لبنان التسعينات والعقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين بكل ما فيه من تناقضات: إعادة إعمار في بيروت وجبل لبنان وحرب في الشطر الجنوبي من بلاد الأرز،
هنا السهر ومظاهر الفرح وهناك المقاومة والعدوان،
هنا تمدد لمشاريع اقتصاد الريع والكازينوهات وهناك يُرسم شكل من المواجهة مع عدو يحتل الأرض ويغتصب فلسطين ويهدد،
جيل يتأثر ببطله “شبه الخارق” الذي يظهر دورياً بعمته السوداء عبر الشاشة كمخلص ومارد من خارج السياق من أجل التحرر،
الفتاة التي تتسائل في كل موقف عن ما تربت عليه وما تواجهه، تحاول الدمج بين كل هذه القواعد والأسس وكيفية تمرير الأمور بالتي هي أحسن ولكن أن يبقى ضميرها حياً وعلى قناعة تامة بما تفعل.
لعل حالة ريحان وتأرجحها بين كل تلك “المتنافرات” هو موقف وموقع أبناء جيل كامل من الهزيع الأخير من القرن العشرون، جيل تربى وترعرع على “أضداد” قاتلة فكيف له أن ينجو؟ جيل عاش آثار الحرب الأهلية اللبنانية بكل سلبياتها وكان مجبراً على تجاوزها، فهل الوطنية بما سمعته من أهلها وآلامهم أم بما تراه أمامها؟

ريحان الشابة الجامعية كسرت رتابة الحياة في منزل الضيعة الجبلي وجاءها زملاءها ضيوفاً من أقاصي لبنان وكانت مجبرة على شرح تاريخ قريتها ومزاراتها الروحية كأنها مؤرخة هذه البقعة من الأرض، فهل هي ابنة البيئة المحلية فقط أم أنها خُلقت لتحلق بأفكارها نحو الانسانية جمعاء؟
ريحان ابنة جيل عاش في زمن ما قبل انتشار التقنيات والتكنولوجيا أو على أبواب ثورته الرهيبة، وجدت نفسها فجأةً وجهاً لوجه مع تقنيات مزلزلة تهدم العلاقات الانسانية التقليدية وتفتح مسارات انسانية أخرى تكاد تكون مغايرة، فأيهما الأفضل: أن تعود الى بيت الجدة وبساطته أم أن تقف على ناصية حضارة السرعة الخارقة؟ أيهما يتصف بالانسانية أكثر حتى تلتصق به؟
القصة هنا لا تقتصر على البعد الفردي لشخصية “ريحان”، بل تعكس من خلالها مأساة وطنها اللبناني وتحولاته القاسية التي مر بها سابقاً وما زال، مما يجعل حكايتها رمزاً للانبعاث والأمل وتجاوز الانكسارات.
رواية “وتحرَّر الحلم” للكاتبة ليليان حمزة، يمكن اعتبارها وثيقة تأريخية لجزء من حياتنا اللبنانية وتناقضاتها، وهي تدمج بين الواقع والخيال المنطقي ولا تتجاوز مرارة الواقع الاجتماعي والسياسي، لكنها تبقي مساحات كافية للحلم والأمل بالتحرر، تبتعد عن الحشو والإطالة وتستخدم التكثيف واللغة الشاعرة الرصينة لربط المشاعر الإنسانية بالقيم الوطنية.
تركز الرواية على الصراع الداخلي للبطلة ومحاولتها صون كرامتها وهويتها وسط ظروف قاهرة، مما يمنح الشخصيات عمقاً نفسياً يستقطب القارئ، وكأننا بها تمثل كل انسان من هذا الجيل الذي حلم بالعدالة والحرية والكرامة، وتخلص الى أن كل العلاج سيبقى في الحب والحب وحده يخرجنا من كل هذا الجحيم النفسي والاجتماعي والسياسي والأخلاقي

رواية توثق لذاكرة شفهية واجتماعية للريف والجبل وما يكتنزه من عادات، وقهر، وقصص صمود.
ليليان الصديقة النشيطة والثابته على قيمها ومبادئها الأخلاقية والوطنية، ابنة ذاك البيت المناضل، من الجد والوالدين والعمومة، ألف تحية وألف مبروك
وإلى المزيد، لا بل نحن بانتظار المزيد
