في لبنان، قد تتحوّل المبادرات العامة إلى مادة للسخرية قبل أن تُمنح فرصة التقييم الموضوعي. وهذا ما حصل مع قطار البربارة، الذي أثار موجة من التهكّم، وكأن المطلوب من أي خطوة لإحياء السكك الحديدية أن تحلّ فورًا أزمة النقل المزمنة، وإلا فلا تستحق المحاولة.

لكن، هل ادّعى أحد أن قطار البربارة سيعيد تشغيل شبكة السكك الحديدية اللبنانية؟ أم أن الفكرة كانت إحياء جزء من هذا المرفق المهمل، وإعادة تسليط الضوء على إمكانية استعادة دوره، ولو من بوابة السياحة في البداية؟
من حق اللبنانيين انتقاد أي مشروع، ومساءلة المسؤولين عن الكلفة والجدوى والنتائج. لكن بين النقد المسؤول والتهكّم من كل محاولة فرق كبير. فالسخرية لا تعيد قطارًا إلى الخدمة، ولا تعالج أزمة النقل، ولا تحمي أملاك الدولة من التعديات والإهمال.
لا بل ذهبت بعض الأصوات المقيته الى الغمز من الأقنية الطائفية والمذهبية والحزبية في خطوة تزيد من الشرخ وإنقسام كان بالغنى عنه أصلاً ولا تحتمل الخطوة كل هذا الثقل الا إذا كان خلف الأكمة ما خلفها.
ومن هنا، يستحق عمل مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك، منذ تولّي زياد شيّا إدارتها العامة، أن يُقرأ ضمن سياقه الأوسع. فقد أُعيد تشغيل شبكة من خطوط النقل المشترك بالحافلات، ووفق أرقام منشورة عام 2025، بلغ عدد الخطوط 11 خطًا، مع تشغيل 93 حافلة، واستقطاب آلاف الركاب يوميًا. وهي مؤشرات تستحق المتابعة، مع بقاء الحاجة إلى توسيع التغطية وتحسين انتظام الخدمة وتطويرها.
أما في ملف السكك الحديدية، فلا تقتصر المسؤولية على تشغيل القطارات، بل تشمل حماية الأملاك العامة والمحطات والمسارات، والعمل على إعداد مشاريع قابلة للتنفيذ. وهذه مسؤولية تتطلب دعم الحكومة والتمويل والتنسيق بين المؤسسات، ولا يمكن تحميلها لشخص واحد بمعزل عن قرارات الدولة.
ومن الملفات الواعدة مشروع إعادة الربط السككي بين مرفأ طرابلس والشبكة السورية لنقل البضائع. وقد شهد المشروع تحركات ومعاينات لبنانية سورية، بهدف استكمال الدراسات الفنية والاقتصادية وإعادة تأهيل المسار.
وتبرز هنا أهمية المقطع السوري، الذي يبلغ نحو خمسة كيلومترات بين الحدود ومحطة العكاري، إذ أفيد بأن الجانب السوري تعهّد باستكماله على نفقة الحكومة السورية. وإذا ثُبّت هذا الالتزام في الاتفاقات التنفيذية، فإنه يشكّل خطوة مهمة نحو توزيع الأعباء بين البلدين، وفتح المجال أمام ربط مرفأ طرابلس بالشبكة الحديدية السورية، وصولًا إلى إمكانات أوسع للنقل والتجارة الإقليمية.
طبعًا، لا يعني ذلك أن المشروع بات جاهزًا للتشغيل؛ فما زالت هناك حاجة إلى استكمال الدراسات وتأمين التمويل وتحديد مراحل التنفيذ بوضوح. لكن الانتقال من الكلام العام إلى المعاينات والتنسيق الفني يستحق المتابعة بدل الاكتفاء بالتشكيك.

إن الدفاع عن زياد شيّا لا يعني إعفاءه من المحاسبة، كما أن نقد المصلحة لا ينبغي أن يتجاهل ما أُنجز أو ما يجري العمل عليه، وإن كان الرجل يقاتل وحيداً حتى بتقصير من أهل بيته في واجب الدفاع عن الحقيقة والواقع، إنما يبقى المطلوب تقييم موضوعي يستند إلى الأرقام والنتائج، ويحدّد بوضوح ما تحقق وما لا يزال ينتظر التنفيذ.
إنصاف النقل العام في لبنان يبدأ من وقف الاستهزاء بالمبادرات، من دون تقديسها، ومن منح المشاريع الجدية فرصة للتقدم، مع إبقاء المسؤولين تحت رقابة الرأي العام. فالقطار والنقل المشترك لا يعود بالسخرية، ولا يعود بالوعود وحدها، بل بخطة وتمويل وإرادة سياسية ومحاسبة عادلة.
لبنان بحاجة ماسة الى هذا القطاع الحيوي ولا يجوز أن يُترك لمافيات تسيطر على قطاعات النقل والنفط واستيراد السيارات الخاصة دون سقف وتسرق الأملاك العامة دون وازع أو رادع.
اذا كان التهكم مناسباً في العهود السابقة، يبدو اليوم غير واقعي مع الإنطلاقة الجديدة للمصلحة ومديرها…. نتمنى ذلك وبقوة
