اقتصاد

أزمة النزوح من وادي خالد الى بنت جبيل: هل من حلول؟

5 دقائق قراءة

أقام “الملتقى الوطني الدائم للعمل من أجل الإنسان في لبنان” – “معًا من أجل الإنسان في لبنان”، ندوة حوارية تناولت أزمة النزوح وآثارها الاجتماعية والتربوية والإنسانية، في الجامعة الأميركية للثقافة والتعليم AUCE، بحضور فاعليات وممثلين لعدد من البلديات والقرى الجنوبية.

أدار الندوة فادي أبي علام، واستُهلّ اللقاء بدقيقة صمت على أرواح شهداء الحرب. وفي كلمته الافتتاحية، دعا رئيس الملتقى رئيس الجامعة بسام الهاشم إلى “الانتقال بملف النزوح من دائرة القلق والانتظار إلى نقاش علمي ومسار عملي يلامس الاحتياجات الفعلية للنازحين، ولا سيما في ما يتعلق بالسكن والتعليم وإعادة الإعمار ومستقبل العائلات التي اضطرتها الحرب إلى مغادرة قراها ومنازلها”.

وأكد “أهمية المبادرات الاجتماعية في مواجهة تداعيات الأزمة، وأن دور المثقف لا يقتصر على توصيف الواقع، بل يتعداه إلى المشاركة في البحث عن الحلول وصياغة الأفكار القابلة للتطبيق”. ونوّه “بكل من ساهم في احتضان النازحين من الجنوب ومدّ لهم يد العون”، وشكر المشاركين في الندوة والقائمين على تنظيمها.

وتركزت الندوة على ثلاثة أبعاد رئيسية مترابطة. تناول الأول الآثار الاجتماعية للنزوح وانعكاساتها على الأسرة والمجتمع، فيما ركز المحور التربوي على الفاقد التعليمي الناتج عن تعطل الدراسة والنزوح المتكرر، وسبل تعويض الأطفال والطلاب عما فاتهم. أما المحور الإنساني، فتناول الاحتياجات الأساسية للنازحين وآليات توفير الدعم والموارد اللازمة لصمودهم إلى حين توافر ظروف العودة.

وتحدث ممثل وزارة الشؤون الاجتماعية علي نور الدين عن حجم التحديات التي تواجه الدولة في الاستجابة لتداعيات الحرب والنزوح، مشيرًا إلى أن “حجم الدعم المطلوب يقدّر بنحو 9.2 مليارات دولار، وأن شبكة الأمان المستجيبة للصدمات التي تعمل عليها الوزارة لمواجهة آثار الأزمة”. وأوضح أن “العمل يتركز على مجموعة من الأولويات، أبرزها إزالة الركام والمواد المتفجرة، والعودة والحماية الاجتماعية، ودعم المشاريع الصغيرة، وتأهيل البنى التحتية، ووضع التصورات اللازمة لإعادة الإعمار”. وأشار إلى أن “إزالة الركام والمواد الخطرة وحدها تتطلب مبالغ مالية كبيرة قد تصل إلى نحو مليار دولار”.

وأكد أن “وزارة الشؤون الاجتماعية تعمل، ضمن إمكاناتها، على مواكبة احتياجات النازحين”، مشيرًا إلى “الجهود التي تبذلها الوزيرة حنين السيد لتأمين الدعم الدولي والعربي والمحلي اللازم لمواجهة التحديات الاجتماعية والإنسانية التي خلفتها الحرب”.

من جهته، تناول الباحث والخبير في الإحصاءات محمد إبراهيم شمس الدين البعد الديموغرافي والإحصائي للنزوح، معتبرًا أن “النزوح ليس ظاهرة جديدة في التاريخ اللبناني، وإن اختلفت أسبابه وأشكاله ومراحله”.

وتوقف عند الأرقام المتداولة حول أعداد النازحين، معتبرًا أن بعضها يتضمن مبالغات، ومقدرًا العدد الأقصى بنحو 700 ألف نازح، استنادًا إلى معطيات جمعها من خلال التواصل مع بلديات واتحادات بلديات في مناطق بنت جبيل ومرجعيون وصور.

وعرض مجموعة من الأرقام المتعلقة بتوزع النازحين بين المناطق الحدودية وسائر المناطق. وتطرق إلى حجم الدمار وكلفة إعادة الإعمار، مقدرًا إياها بنحو 20 مليار دولار، في ظل أعداد كبيرة من الوحدات السكنية المدمرة والمتضررة، فضلًا عن الأضرار التي أصابت البنى التحتية والمرافق العامة. وفي الجانب الديموغرافي، رأى أن “النزوح الحالي لا يعني بالضرورة حصول تحول ديموغرافي دائم”، مستندًا في ذلك إلى “تجارب تاريخية وإحصائية سابقة وإلى طبيعة البنية الاجتماعية اللبنانية، حيث يميل السكان إلى العودة إلى مناطقهم وبيئاتهم الأصلية متى توافرت الظروف الأمنية والمعيشية المناسبة”.

أما ممثل تجمع أبناء القرى الحدودية المدمرة طارق مزرعاني، فقدّم مداخلة جمعت بين البعد الإنساني والطرح العملي، واضعًا في مقدمة الأولويات السكن والغذاء والطبابة، ومعتبرًا أن “معالجة القضايا التربوية، على أهميتها، لا يمكن فصلها عن تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة للعائلات النازحة”. وأثار مسألة التداعيات الصحية والنفسية والاجتماعية للنزوح، متسائلًا عن مدى وجود دراسات وإحصاءات ترصد الأمراض والصدمات النفسية والمشكلات الأسرية التي نتجت عن الحرب والنزوح، بما فيها حالات التفكك الأسري والطلاق. وأشاد بالجهود التي تبذلها الوزيرة حنين السيد، مطالبًا بسياسات أكثر دعمًا للنازحين، ولا سيما أبناء القرى الحدودية، تشمل تسهيل القروض السكنية، والإعفاءات الضريبية، وخلق فرص العمل، وتوفير تسهيلات مالية ومعيشية تساعد الأسر على الصمود خلال مرحلة النزوح.

واقترح إنشاء صندوق خاص لدعم القرى الحدودية المتضررة، على أن يتم تمويله من بعض الرسوم والضرائب والتبرعات، إضافة إلى تخصيص اعتمادات له ضمن الموازنة العامة، بما يتيح إيجاد آلية دعم مستدامة لا تقتصر على المساعدات الطارئة. كما تحدث عن بعض التجارب السلبية التي واجهها نازحون في مناطق مختلفة، وما وصفه بمظاهر من التعصب أو التمييز الطائفي والمناطقي، داعيًا إلى تجاوز الخطابات التضامنية نحو ممارسة فعلية تكرس المواطنة والتكافل بين اللبنانيين.

وشهدت الندوة سلسلة مداخلات من الحضور. فقد قدّم الدكتور مصطفى بزي عرضًا عن حجم الدمار الثقافي والعمراني الذي أصاب مدينة بنت جبيل، متوقفًا عند الأضرار التي لحقت بمرافقها ومعالمها ومركزها الثقافي، الذي كان يشكل مساحة للنشاط الثقافي ويستقبل الوفود والزيارات، فضلًا عن الأضرار التي طالت أجزاء واسعة من النسيج العمراني للمدينة.

وتحدث الشيخ طلال الأسعد من وادي خالد عن تجربة لبنان مع النزوح السوري وتداعياته الاجتماعية، متسائلًا عن حجم الدور الذي تؤديه المؤسسات الدولية حاليًا تجاه النازحين اللبنانيين من الجنوب، ومقارنًا بين الاستجابة الحالية وما قُدّم خلال مراحل النزوح السوري.

بدورها، أثارت الدكتورة غادة جوني مسألة السياسات التي ينبغي للدولة والمؤسسات المعنية اعتمادها من أجل تأمين حياة كريمة للنازحين خلال الفترة الفاصلة بين النزوح وإعادة الإعمار والعودة.

كما عرض ممثلون عن بلدية بنت جبيل جانبًا من معاناة أبناء المدينة وحجم الخسائر التي لحقت بالمنازل والمرافق والبنية التحتية، مشددين على ضرورة أخذ خصوصية المناطق الحدودية وحجم الأضرار التي أصابتها في الاعتبار عند وضع خطط الدعم وإعادة الإعمار.

وشارك في النقاش أيضًا عدد من الأكاديميين والمهندسين والمحامين والباحثين، وتركزت المداخلات على أهمية استعادة دور الدولة، وتعزيز التضامن الوطني، وتنسيق عمل المؤسسات الرسمية والبلديات والجمعيات والمبادرات الفردية، بما يضمن توفير استجابة متكاملة للاحتياجات الإنسانية والاجتماعية والتربوية والثقافية للنازحين.

واختُتمت الندوة بتلاوة الخلاصة والتوصيات من قبل الدكتورة رانيا غانم، التي أكدت أن أزمة النزوح في لبنان تتجاوز كونها حالة إنسانية طارئة، لتطرح تحديًا وطنيًا يستوجب مقاربة متكاملة تجمع بين الإغاثة العاجلة والحماية الاجتماعية والتربوية والصحية، وبين التخطيط للعودة وإعادة الإعمار. وشددت على أن معالجة الأزمة تستدعي الانتقال من إدارة تداعيات النزوح بصورة مؤقتة إلى وضع خطة وطنية واضحة ومتكاملة تحدد الأولويات والمسؤوليات وآليات التنفيذ ومصادر التمويل، وتضمن عدم بقاء النازحين في دائرة الانتظار أو الارتهان للمساعدات الآنية. وأكدت كذلك أهمية معالجة الفاقد التربوي والتداعيات الصحية والنفسية والاجتماعية التي خلفها النزوح، إلى جانب توفير السكن والطبابة والحماية الاجتماعية وفرص الصمود الاقتصادي للأسر المتضررة.

كما شددت على أهمية المبادرات الاجتماعية ودور المثقف والمجتمع المدني في مواكبة الدولة، وتعزيز ثقافة التضامن والتكافل والوحدة الوطنية، بحيث يتحول التعاطف مع النازحين إلى سياسات وبرامج وخطوات عملية تحمي كرامتهم وتصون حقوقهم. ورأت أن الهدف الأساسي يجب أن يبقى تثبيت الناس في أرضهم وتمكينهم من العودة إلى قراهم ومناطقهم بأمان وكرامة، عبر توفير مقومات إعادة الإعمار وإعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتربوية إلى المناطق المتضررة.

وفي ختام الندوة، تم التأكيد على متابعة التوصيات مع الوزارات والإدارات الرسمية والبلديات والمؤسسات والمنظمات المعنية، والعمل على تحويل ما خلص إليه الحوار إلى خطوات قابلة للتنفيذ، بما يسهم في تخفيف أعباء النزوح، ودعم صمود المتضررين، وتهيئة الظروف اللازمة للعودة وإعادة الإعمار.

مقالات ذات صلة

سياسة

دفاعًا عن زياد شيّا وإنصافًا للنقل العام – عامر ملاعب

  في لبنان، قد تتحوّل المبادرات العامة إلى مادة للسخرية قبل أن تُمنح فرصة التقييم الموضوعي. وهذا ما حصل مع قطار البربارة، الذي أثار موجة من التهكّم، وكأن المطلوب من أي خطوة لإحياء السكك الحديدية أن تحلّ فورًا أزمة النقل المزمنة، وإلا فلا تستحق المحاولة.   لكن، هل ادّعى أحد أن قطار البربارة سيعيد تشغيل […]

سياسة

فضيحة ترشيح عيسى: حكومة سلام مطالَبة بكشف المعايير وشبهة تضارب المصالح

سؤال نيابي يضع حكومة نواف سلام أمام اختبار الشفافية: من اختار الأمين العام للخارجية؟ بأي معايير؟ وكيف فُصلت مصلحة المرشّح عن صلاحيات الوزارة التي تتولى متابعة ترشيحه؟ لم يعد ترشيح الأمين العام لوزارة الخارجية والمغتربين، السفير عبد الستار عيسى، لعضوية لجنة القانون الدولي مجرّد معلومة متداولة في الكواليس. فالقائمة الرسمية المنشورة على موقع الأمم المتحدة، […]

مجتمع

أرزة د. كامل مهنا في الباروك: تكريماً للمسيرة الإنسانية

زار رئيس مؤسسة عامل الدولية الدكتور كامل مهنا، يرافقه وفد من المؤسسة، مركز الباروك الصحي الحكومي. وكان في استقبال الوفد رئيس بلدية الباروك–الفريديس الدكتور فادي محمود، وعضو اللجنة الطبية في البلدية السيد داوود نخلة، والسيد نزيه محمود، والشيخ المختار يوسف حلاوة، والدكتور يوسف حلاوة، والهيئة الإدارية للمركز. وضمّ الوفد زوجة الدكتور مهنا، المربية فايدة مهنا، […]

سياسة

نقابة المحامين في سوريا: الإمعان في الإنكار – اياد الشعراني

بقلم المحامي إياد الشعراني* في المخيال الجمعي لمحامي سوريا، تقوم حقبة الأربعينيات والخمسينيات مقام الطريق المستقيم في دلالاتها عن المرحلة الذهبية لمهنة المحاماة ونقابة المحامين في سوريا، باعتبار كان حضور رجال القانون في الحياة العامة مؤسساً ومؤثراً وصانعاً للحدث على نحو يتماهى مع قدسية قيمة العدالة والدرب المؤسس لها من خلال دولة القانون. استطاعت مهنة […]