الخيارات السياسية في المفاصل التاريخية هي الاجابة الصريحة عن أسباب النصر أو الهزيمة، وعندما يصاب التاريخ بالسكون، تبقى تلك الخيارات وسياق اتخاذها وكلفة الدفاع عنها هي العناصر الجوهرية للبحث التاريخي، ومادة السردية التي تعيد تشكيل وعي الجماعة لذاتها..
فإن أصابت تلك الخيارات، ستعيد صقل جوهر الهوية المحفزة لنهضتها، أما إذا فشلت فإنها ستشكل العقدة التي تعرقل إعادة استنهاضها، وستتحول إلى لعنة تتردد على ألسنة الضحايا.
اما بالنسبة للأقليات في الشرق الأوسط فإن الخيارات السياسية ليست مجرد محطة عابرة بل هي المسار الحاسم لاضمحلالها أو إعادة صياغة وجودها الحر الفاعل.
الوسط الاجتماعي السياسي في السويداء:
الاستبداد الممتد لستة عقود ومن ثم الحرب لعبا دوراً كبيراً في إعادة إنتاج طبقة سياسية غير واضحة المعالم في السويداء، يختلط فيها حضور فاعل لفصائل مسلحة مكونة من رجال دين دروز بعلاقة متشابكة مع مشايخ العقل بالنظر لتعدد المرجعية، والتي تتأثر أيضاً بتباين الرأي بين المرجعيات طوراً والانسجام أحياناً.
هذه القوة المسلحة التي تبدو ككتلة في مكان ما، ظهر إلى جانبها فصائل مسلحة أخرى اقتربت من منطق العصابة أكثر من أي منطق أخر. من حيث نشاطها وطبيعتها ويشتبه بأن بعضها ارتبط بجهات امنية، مع بقاء دوائر اجتماعية عائلية أو حتى مناطقية تضم شخصيات ذات ارث اجتماعي أو ثقافية بفعالية وتأثير أقل من بقية القوى المشار إليها آنفاً.
اما المجموعات المدنية وإن كانت تتمتع بتمدد أفقي واسع وفعالية جيدة على مستوى الخطاب، إلا أنها كانت أسيرة توازنات القوة التي كانت ترجح دائماً سيطرة الفصائل المسلحة على المشهد.
كل تلك العناصر والعوامل على مستوى السويداء وعلى مستوى سوريا، ساهمت في صعود سريع وملحوظ لنجم الشيخ حكمت الهجري السياسي، ولا تغفل محاولة قراءة الواقع هذه، عن الحضور الوجداني الكبير لآل الهجري في نفوس الموحدين الدروز وبشكل خاص رجال الدين والذي تكثفه الذاكرة الشعبية ب عبارة (سر الهجري).
رغبة بالدور السياسي… أم تصدٍ للمسؤولية؟
في لحظات الانهيار الكبرى، لا تعود المواقف السياسية مجرد اجتهادات، بل تتحول إلى قرارات تُعيد تشكيل مصير جماعة كاملة.
استطاع سماحة الشيخ حكمت الهجري تغيير الانطباع العام عن دور مشيخة العقل ببعده السياسي في المشهد السوري بشكل عام، والدرزي بشكل خاص. وعلى عكس المعتاد في النهج السياسي السائد لمشيخة العقل في السويداء، والقائم على منطق المهادنة للسلطة السياسية على مدار ستين عاماً، إلا أن الشيخ الهجري حقق خرقاً في هذا النهج إبان السنة الأخيرة من حكم النظام.
مع ضرورة التوضيح أن نهج المهادنة خُرق عدة مرات طوال تلك العقود، إلى حد تأرجح العلاقة بين الولاء والجفاء تبعاً لاختلاف الظروف والأشخاص.
كما اتسمت حركة الشيخ حكمت الهجري السياسية خلال الحقبة السابقة للمذبحة بانعطافات حادة وتصريحات إعلامية مباشرة وواضحة، اتسمت أحياناً بقسوة في التعبير.
فمن قرب ملحوظ من نظام الأسد، إلى معارضة شرسة بدأت في منتصف عام 2023، والتي لم تفلح المساعي حينها في تخفيف حدتها.
خطفت تلك المواقف الأنظار، ولاقت تأييداً شعبياً في السويداء بشكل خاص، وسوريا بشكل عام، في وقت كان الانهيار الاقتصادي والاجتماعي عنوان تلك المرحلة.
التحول الكبير:
سقط نظام الأسد، وبدأ المسرح الاجتماعي السياسي الجديد يتشكل بسرعة في سوريا. وللوهلة الأولى، بدا واضحاً أن منطق الجماعات هو الذي سيسود، بالنظر إلى طبيعة القوى الفاعلة من حيث بنيتها وخطابها.
زاد من ذلك ضعف المجموعات المدنية أمام المد الجهادي، الذي امتلك أسباب القوة السياسية والعسكرية والاجتماعية.
في الوسط الاجتماعي للدروز في السويداء وريف دمشق، كان القلق مشوباً بالأمل، وهو ما يفسر التباين الذي ظهر في تلك المرحلة حول النظرة لسلطة دمشق.
إلا أن هذا التباين سرعان ما تلاشى، مع مشاهد مجازر الساحل، ليتحول بعد محاولة الهجوم على جرمانا ومجزرة صحنايا إلى شبه إجماع درزي حول عبثية ودموية تلك السلطة.
فقد تحولت الفرضية التي كانت تقول بإمكانية التعويل على سلطة الشرع في بناء دولة، إلى مادة للسخرية لدى شريحة واسعة من أبناء الدروز، حيث تأكد لهم أن ذلك الافتراض كان سطحياً وغير واقعي.
غياب التنظيم والفعالية:
قبل المذبحة، كانت السويداء ساحة مفتوحة على ضجة كبيرة من النقاش…
لكن بمخرجات ضعيفة إلى حد كبير، وحركة سياسية أقرب إلى العبثية منها إلى الفعل المنظم.
عاشت السويداء توترات متصاعدة، ومع ارتفاع حدّة التصريحات وصدى الاجتماعات في دارة قنوات ، تشكّلت مادة خصبة للتحريض الإعلامي والشعبي ضد الدروز عموماً، وضد السويداء خصوصاً، في سياق يوحي بوجود مسار يُدفع باتجاهه.
وعلى وقع مأزق السلطة في الساحل، انتهج إعلامها خطاباً تحريضياً ممنهجاً، بدأ معه الشارع السوري يتأثر باتساع الفجوة بين الشيخ حكمت الهجري من جهة، وسلطة دمشق من جهة أخرى.
وقد ساهم هذا الإعلام، عبر تضخيم حدة تصريحات الهجري ، في تكريس قناعة لدى جمهور السلطة بأن الهجري هو المشكلة.
وبالقدر الذي اعتُبرت فيه تلك التصريحات استفزازاً لجمهور السلطة، فإنها في المقابل أقلقت شريحة كبيرة من دروز سوريا، الذين رأى بعضهم فيها مجازفة وقفزاً فوق مقتضيات الواقع.
وللأمانة، فإن المفردات السياسية التي طُرحت آنذاك — كالدولة المدنية والديمقراطية والتشاركية — لم تكن طارئة أو غريبة، بل هي جوهر خطاب القوى المدنية السورية منذ عام 2011، وليست اختراعاً درزياً كما حاول البعض تصويره.
في تلك المرحلة، كان استشعار الخطر حاضراً في أذهان المنخرطين بالشأن العام، لكن معظم الجهد انصبّ على تحميل المسؤولية لطرف واحد، في ظل عجز عام عن إنتاج مقاربة جماعية متماسكة.
وهو أمر يمكن فهمه في سياق مجتمع صغير أنهكته عقود الاستبداد، وأفقدته القدرة على بناء أطر سياسية واجتماعية قادرة على الاستجابة السريعة لمخاطر بهذا الحجم.
وعلى الرغم من ظهور محاولات لتنظيم القوى والخطاب، لكنها بقيت محدودة ولم يُكتب لها النجاح.
ويمكن القول إن السويداء افتقدت حينها إلى القدرة على تنظيم اختلافاتها ضمن إطار سياسي جامع، يُظهر وحدة الثوابت مع اختلاف التكتيك.
أما الأخطر، فكان غياب قيادة عسكرية مهنية موحدة، في ظل تعدد الفصائل وتضارب الولاءات واختلاف الحسابات.
في تلك اللحظة تحديداً، لم تعد الكلمة موقفاً.
بل أصبحت ثمنها دماء.
وهذا ما حدث لاحقاً بالفعل.
في المقابل، عملت سلطة دمشق على ترسيخ رواية لدى جمهورها مفادها أن الواقع في السويداء يستدعي حلاً عسكرياً مهما كانت كلفته، مستفيدة من حالة الارتجال التي طبعت الأداء السياسي والإعلامي في الجبل.
وقد كشف الهجوم ونتائجه عورة السويداء السياسية والعسكرية رغم وضوح مؤشرات الصدام بعد مجزرة صحنايا.
ولا يمكن هنا إغفال وجود أصوات حاولت الدفع نحو التهدئة وتفادي الانفجار، والتي كانت دوافع جزء منها ليس الانصياع لسلطة دمشق إنما شراء الوقت استعداداً للمواجهة، لإدراكها الفرق الكبير في موازين القوى على مستوى التنظيم و القدرات، لكن هذه الأصوات بقيت معزولة ولم تلقَ صدى، بل يُنظر إليها اليوم إما بالتخوين أو بالتجاهل.
إلا أن الإقرار بغياب آلية دفاع فعالة لا يعني الانتقاص من قيمة من صمدوا ودافعوا عن الجبل، بل يهدف فقط إلى فهم ما حدث…
لأن تجاهله يعني الاستعداد لتكراره.
وما يثير الأسى اليوم، أنه بعد أشهر على تلك المأساة، لا تزال حالة الارتباك والتشتت وغياب الشفافية هي السائدة،
في وقت لم تُنجز فيه سوى خطوات محدودة، أمام تحديات أكبر بكثير. وكأن ما حدث لم يكن كافياً لفرض مراجعة حقيقية بحجم الكارثة
تركة نظام الأسد العسكرية:
لم تكن السويداء عند سقوط النظام خالية من السلاح أو المنشآت العسكرية.
فالجبل يضم مطارين عسكريين في شماله (خلخلة) وغربه (الثعلة)، بالإضافة إلى محطة الرادار في “الدور”، وعدد من الثكنات العسكرية التابعة سابقاً للفرقة الخامسة عشرة.
كما أن الضربات الإسرائيلية التي أعقبت سقوط النظام تركزت بشكل أساسي على تعطيل الأسلحة الثقيلة.
والمطلع على طبيعة تلك القطعات يدرك حجم ما تحتويه من تسليح وذخائر وآليات، خاصة على مستوى الأسلحة المتوسطة والخفيفة.
وهنا يبرز سؤال مشروع لدى كثير من أبناء السويداء، وخصوصاً ذوي الضحايا:
من سيطر على هذه القطعات العسكرية بعد السقوط؟
وأين ذهب كل ذلك السلاح والعتاد؟
لكن السؤال الأكثر حساسية يبقى:
هل صحيح ما تم تداوله حول تعطيل أو إخفاء بعض الأسلحة النوعية من قبل جهات أو شخصيات محددة؟
المذبحة:
بدأ الهجوم، وصدرت البيانات والتصريحات في الساعات الأولى الداعية إلى عدم مواجهة قوات السلطة.
استغلت فصائل سلطة الجولاني حالة الضياع التي عاشتها المقاومة الشعبية، وارتكبت أبشع المجازر والأفعال التي تشير بوضوح إلى طابع إبادي للهجوم. وقد بيّن تقرير لجنة التحقيق الدولية، على ما فيه من قصور، فظاعة ما ارتُكب بحق السويداء، موضحاً تورط السلطة ومؤيديها، كما أكد للجميع أيضاً ضياع البوصلة لدى قطاعات واسعة من الشعب السوري، خاصة تلك التي حرّضت وشمتت بقتل المدنيين العزل واستباحة الأعراض والسلب والحرق.
التصفية الميدانية للمدنيين العزل، واختطاف النساء والأطفال، وحرق البيوت بعد سلبها، كانت حاضرة في كل زاوية وركن من السويداء، من القرى الغربية إلى القرى الشمالية إلى مدينة السويداء. لم يسلم البشر ولا الحجر من الهجوم البربري. دفعت السويداء في تلك الأيام ثمناً باهظاً من دمائها، وودعت في ذات الأيام أيضاً سذاجة حلمها وقناعتها بأن المعروف يحمي البيوت قبل السلاح، وأن الأوطان تبنيها الذاكرة والتاريخ لا الفتوى.
بعد ساعة تقريباً من بدء المذبحة، خرج الشيخ حكمت الهجري ببيان “يا غيرة الدين”، الذي كان بمثابة صرخة ضرورية نبّهت بقية السكان إلى الخطر الوجودي الذي يتهددهم، وأن الهجوم ينطوي على نية لإبادة الدروز.
وامتدت المذبحة على مدار أسبوع تقريباً. كل الدروز في سوريا كانت رقابهم رهن السكين، وكل الأواصر والعلاقات العابرة لهوية الجماعة حُزّت بالنكران.
حصيلة المجزرة والمشهد بعدها كشفت عورة السويداء السياسية والتنظيمية، بقدر ما كشفت صمود وشجاعة أبنائها الطيبين الذين خسروا أهلهم وبيوتهم، ومع ذلك واصلوا الدفاع عن الجبل.
بعد المجزرة، وفي الوقت الضائع، تسارعت الأحداث، حيث تعالت أصوات التخوين بحق من انتهجوا خطاب التهدئة وعدم الذهاب إلى الصدام، وارتفعت أسهم أصحاب التصريحات الحادة، وغابت شخصيات ومرجعيات لترسخ قيادة واحدة للجبل، كما انكفأت شخصيات سياسية كان لها تأثيرها المناطقي ومصداقيتها، أتت المجزرة على إرثها وحاضنتها.
وهنا ينبغي على أهل العقل الفصل التام بين من تبنّى خطاب التهدئة لإدراكه التام خطورة الذهاب إلى الصدام وتأجيله قدر المستطاع بالنظر إلى واقع الجبل، وبين من كان رهينة وأداة لسلطة الشرع، أمثال الثنائي الضال، فخطأ التقدير والحسابات لا يمكن إلحاقه بخيانة الأهل.
بعد المذبحة:
هوجم أبناء السويداء والدروز في سوريا بشكل عام بخطاب كراهية وتحريض واسع الانتشار على إبادتهم، اشتركت في تعميمه وسائل إعلام رسمية وصفحات تواصل اجتماعي و”مؤثرون”.
وقد وصل الخطاب الإعلامي والعام إلى حدود تتجاوز الفاشية، فلم تتوقف حملات التحريض عند إهانة رموز الدروز ومعتقداتهم والاستهزاء بها، بل تجاوز جمهور السلطة كل ما هو متوقع، وصولاً إلى التصريح بالإبادة تحت عنوان مشهور: “بدنا نبيد الدرزية”.
ولم تتوقف حدود التحريض عند ما اصطلح على تسميتهم بعامة الناس، بل انخرطت فئة ملحوظة من “النخبة”، التي بررت وغطّت الجرائم والفظائع تحت يافطة العداء المزاجي لإسرائيل.
واللافت حينها أن هذه الوطنية الفائضة كانت تغمض عينها عن حجم الغزل الذي مارسته سلطة الجولاني طلباً لرضا إسرائيل.
أخيراً، تجلت النتيجة الواضحة من الهجوم الغاشم على السويداء في سقوط سياسي وأخلاقي لسلطة الجولاني، وفضيحة أخلاقية مدوية لجمهور سلطة الجولاني، فيما برز نجاح جزئي لدور “محامي الشيطان” الذي نجحت بعض “النخب” في لعبه.
الأضحكني… هل هو جمهور من سوريا أم الأكثرية من الشعب السوري؟
عندما أعلنت سلطة الشرع في بيان وزارة داخليتها بأن فيديو شتم النبي مفبرك، لم تفلح الأصوات اليتيمة المسؤولة في وقف جمهور الأضحكني للإبادة، و من سخريات القدر أن ما سمي بنشطاء الثورة سال حبر دواتهم بالمقالات و المناشير الداعمة لسلطة الجولاني على حساب دم الدروز ، وبرز آخرون باستعراض فنون شماتتهم بالمس بالأعراض، والظاهرة الخطيرة تكمن في بروز أصوات نسائية أبدت تلذذاً بسادية جحافل الجولاني الطائفية واستماتوا في تبرير أفعالهم وتسويقها على أنها فعلاً وطنياً .
جموع حماه خرجت بمقص كبير تستصرخ الوصول للسويداء، كما كثرت (النخوات) لاجتياح السويداء، وكان لإدلب حصة من دماء أبناء السويداء، كما لم تتوانى عشائر الجزيرة عن ارسال ابناءها طلباً للجهاد وارتكاب المجازر بحق أبناء السويداء.
مارس جمهور الأضحكني تعدد الاختصاصات بمهارة، وتوزع بين:
مجاهد يحز رقاب المدنيين العزل
ومقاتل يستعد لنهش لحم النساء الدرزيات
ومجاهد أخر ينهب البيوت والمحال ويحرقها نصرةً للدين
تعرت نوايا جموع غفيرة من السوريين، وبدى لدروز سوريا أنهم في محيط معاد مستعد لإبادتهم بما للكلمة من معنى، وتحول كل صوت منهم لازال يحمل مفردات سياسية تتعلق بسوريا ودمشق والعروبة هو محض جنون أو خيانة إذا غلب سوء الظن.
سمع أبناء السويداء شعارات الإبادة الدرزية جهاراً نهاراً بأوقح صورها، مع تساؤل بدا في سياقه مشروع
مع من نعيش نحن؟
وهل هؤلاء جمهور طارئ على المشهد السوري أم أن هذا هو المزاج العام على حقيقته؟
نشطاء الفاشية:
كانت من أكثر المفارقات الكارثية تلك التي ظهرت لدى إحدى الناشطات في عهد نظام الأسد، والتي هللت وفرحت لاحتمالية أن يفضي اغتصاب النساء إلى حملهن من مغتصبيهن، ووعدت بجلب حليب الأطفال وفوطهم بعد تسعة أشهر.
وهو ما يقود بالضرورة إلى التفكير ملياً بحجم الفاجعة التي عاشها أبناء وبنات السويداء مع كثير ممن ادعوا طوال عقد من الزمن أنهم ناشطو وناشطات حقوق إنسان.
لم يلمس قلوب أبناء السويداء سوى بضع أصوات من شخصيات محترمة لا تملك سوى منبر إعلامي، ذكّرت بالرصيد الوطني والإنساني للسويداء، الذي كان مستهدفاً منذ بدء الحملة عندما داس عناصر فصائل الجولاني على صورة سلطان الأطرش عند مدخل محافظة السويداء.
فالرسالة كانت واضحة، ومفادها أن المائة عام المنصرمة، التي بُنيت خلالها سوريا بحدودها الحالية، والتي قامت على مقولة “الدين لله والوطن للجميع”، وسوريا العيش المشترك، باتت في خبر كان.
لم تتصرف سلطة الجولاني بعبث أو دون إدراك لما تفعله. فعندما تعمدت إهانة الرموز الدينية والوطنية لدى الدروز، وعندما امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع تهين كرامة الفرد من هذه الجماعة، كانت عملياً تقطع كل الروابط التي تربط السويداء بدمشق.
فكما أن شتم الأنبياء والذات الإلهية فعل لا يرتكبه إلا الجهلة، فإن إهانة كرامة السويداء ومحاولة إخضاعها على أيدي العثمانية السياسية هو نسف لفكرة سوريا نفسها.
دولة الإبادة:
لم تعرف أبواق سلطة الإبادة الإعلامية سوى تكرار كلمة واحدة على مسامع أبناء السويداء: “الدولة”.
في كل مداخلة إعلامية، وفي كل مناظرة ولقاء، كان أتباع الجولاني يصرخون بمصطلح “الدولة السورية”، في الوقت الذي كان فيه أبناء السويداء يداوون جرحاهم، ويدفنون شهداءهم، ويبذلون المساعي لاسترداد المخطوفين من أبنائهم وبناتهم ممن لم تتم تصفيتهم.
تجاهل موالو السلطة أن ما جرى كان، بالنسبة للضحايا وذويهم، حملة إبادة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كما تجاهلوا حجم الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بحق المدنيين.
كما جرى تجاهل استباحة الأعراض، بوصفها سلوكاً معروفاً ومتكرراً في كثير من جرائم الإبادة الجماعية.
وكم صاح أتباع السلطة بوجه أبناء السويداء باتهامات تخريب “الدولة” وتفتيتها، رغم أن حقيقة الأمر تقول أن هذه “الدولة” ليست سوى كيان خارج التاريخ و الفكر، وأن الدفاع عنها أو القبول بممارساتها يعني عملياً القبول بمنطق الإبادة.
الحصار والصدقة الجارية:
بعد أن تراجعت قوات الإبادة عن السويداء، أحكمت الحصار حولها، وبدأت سلطة الجولاني بتغيير خطابها، فتراجعت لهجة الاستعلاء لتتحول رويداً رويداً إلى لغة الحمل الوديع.
وانهمرت البيانات والتصريحات التي تفيض بالحب والأسف على “الأخطاء” التي ارتكبها عناصر “خارجون عن القانون”، معبرةً عن تسامحها وسخائها بإرسال الطحين والمساعدات الإنسانية إلى السويداء، وكأنها تتصدق على أهلها، رغم رفضهم الانصياع لسلطة الإبادة.
وللمفارقة، فإن سلطة الجولاني لم تقم حتى اليوم بسداد ثمن القمح الذي اشترته من مزارعي السويداء قبل أن تشن هجومها عليهم.
أما المشهد الأكثر إثارة للسخرية، فكان حالة الاستياء التي أبداها جمهور السلطة بسبب رفض الشيخ حكمت الهجري دخول وزراء سلطة الجولاني مع قافلة المساعدات، وبقائهم على قارعة الطريق بانتظار السماح لهم بالدخول، في وقت لم يُظهر فيه هذا الجمهور قدراً مماثلاً من الصدمة أو الغضب تجاه المجازر والدماء التي سالت في السويداء.
إسرائيل استثمار بالدماء الدرزية أم حلف دم؟
منذ سقوط نظام بشار الأسد، اتخذت السياسة الإعلامية الإسرائيلية أسلوباً مريباً، حيث ركز المسؤولون الإسرائيليون في أغلب تصريحاتهم المتعلقة بسوريا على حماية الدروز، إلى الحد الذي يُظهر دروز سوريا أنهم جزءاً من الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية. وكان لتلك التصريحات المتواترة منذ شباط 2025 أثر كبير في توتير الأجواء الاجتماعية، ومن المعلوم حجم الريبة المتبادلة والتناقضات الاجتماعية التي تعيشها سوريا بعد خمسين عاماً من حكم البعث.
تزامنت تلك التصريحات مع غزل إعلامي وسياسي مارسته سلطة الجولاني مع إسرائيل، ظهر على شكل تصريحات ودية واجتماعات تعكس رغبة واضحة بالتنسيق مع إسرائيل. وما يؤكد ما سبق أن سلطة الجولاني لم تحاول إزعاج إسرائيل بأي تصريح أو سلوك، وتركز هجومها نحو الطرف الذي بدا لاحقاً أنه الهدف الرئيسي للتصعيد.
أظهرت إسرائيل في 2024، أثناء حربها على غزة ولبنان، قدرات استخباراتية كبيرة، حيث ثبت بالوقائع خرقها الكبير للبنية التنظيمية لحزب الله، الذي امتد نفوذه من البحر المتوسط إلى خليج هرمز، كما أظهرت قدرة عسكرية كبيرة لناحية الرصد والرد والهجوم الاستباقي، كما اصطلحت عليه قواميسها السياسية والأمنية، ولم تكن ضربة “البيجر” المثال الوحيد على تلك القدرات والإمكانات.
دلائل كثيرة تؤكد وجود علاقة بين إسرائيل والجماعات الإسلامية، وخاصة جبهة النصرة التي كان الجولاني على رأسها، ضمن ما عُرف إسرائيلياً بعنوان “سياسة الجار الطيب” منذ عام 2013، ولم تقتصر تلك العلاقة على معالجة الجرحى، بل وصلت إلى حدود الدعم اللوجستي والتنسيق الميداني بحسب تقارير متعددة.
وبعد سقوط النظام، دخل العديد من “الصحفيين” الإسرائيليين وتجولوا في حارات دمشق، وأجروا لقاءات مع عناصر الفصائل، وهذا موثق بالصوت والصورة.
أما بالنسبة لعلاقة كل ذلك بالسويداء، فإن الحدث المفصلي المتمثل بالاجتماع الشهير في باكو، الذي جمع سلطة الجولاني مع قيادات أمنية إسرائيلية بحضور أمريكي قبل 48 ساعة من الهجوم، لا يمكن لأبسط بديهيات تحليل السياق أن تغفل عن أهميته، وإن كنا نحتاج وقتاً ليس بقليل لمعرفة المزيد من التفاصيل عنه، سيما أن المبعوث الأمريكي توم باراك أشار منذ مدة إلى احتمال حدوث “سوء فهم” خلاله.
وأجد تشابهاً تاريخياً ليس بريئاً بين “سوء الفهم” في باكو وصمت السفيرة الأمريكية في العراق عندما صرح صدام بنوايا العراق تجاه الكويت قبل غزوها.
لذا، وبالنظر إلى قدرات إسرائيل الاستخباراتية، والمؤشرات التي كان آخرها الحشود في الجهة الغربية من السويداء، بالإضافة إلى تأزم العلاقة بين دمشق وقنوات، فإن كل ذلك وما تلاه يعتبر كافياً للاعتقاد بأن إسرائيل لا يمكن أن تكون غافلة عمّا كان يُحاك للسويداء.
وهنا يتبادر سؤال ضروري يستحق التفكير:
هل كان هناك ما يردع إسرائيل من استهداف الأرتال المهاجمة قبل دخولها وارتكاب المجازر، في ظل تعهداتها المتكررة بحماية الدروز في سوريا؟
بالنتيجة، وببساطة ووضوح، وكأحد أبناء جماعة تعرضت لحملة إبادة ومهددة بحملات أخرى، أجد أن ضرورة الذهاب نحو آلية التفكير الحر الكافر بكل الإيديولوجيات والشعارات تحت وطأة متطلبات حفظ الوجود، يجب ألا تتعارض مع القراءة الواعية للمشهد والسياق، لتحديد وتقدير دور كل القوى الفاعلة على الساحة، خاصة أن فعلها أو امتناعها عن الفعل يؤثر مباشرة في مصير الجماعة.
كل ذلك يحيلنا إلى الدور الرئيسي والحاسم الذي مارسه الإخوة في الجليل تجاه حكومة نتنياهو وقياداتها العسكرية والأمنية، سواء على المستوى الشعبي من قطع الطرقات وعبور الحواجز الشائكة على الحدود بغية إنقاذ إخوتهم من الإبادة، أو على المستوى السياسي، حيث كان للأعضاء الدروز في الكنيست دور فاعل في الضغط على الحكومة الإسرائيلية، بالإضافة إلى الدور المحوري للعسكريين الدروز من ضباط وجنود.
وهنا يجب أن ننظر جيداً إلى حجم ضغطهم، وحجم المماطلة، وطبيعة التدخل. إن التمعن في المشهد وفهمه لا ينبغي تجاهله أو التعامل معه خارج سياقه.
وما أراه شخصياً هو أنه، في الوقت الذي تقاطعت فيه حماقة الجولاني مع مصلحة إسرائيل، أدرك أبناء الجليل أن المشاريع السياسية يجب ألا تكون على حساب دماء أبناء السويداء.
كل ما سبق يقود لسؤال بطعم العلقم
كم هو حجم الأمنيات الخائبة التي عقدها دروز السويداء على أبناء جلدتهم من العرب في الوقت الذي أصيب فيه الغزاة من ((السوريين)) بحمى الإبادة
الإعلام العربي:
لم تختلف رواية الإعلام العربي كثيراً عن رواية الإعلام الرسمي السوري ذي النكهة الجهادية، فالمفردات متطابقة إلى حد كبير، وقد يكون ذلك نتيجة انتماء المراسلين إلى ذات الفصائل التي تشكلت منها سلطة دمشق، أو على الأقل إلى ذات الحواضن الاجتماعية القريبة منها.
جاءت تغطية الإعلام العربي لحملة الإبادة في السويداء أشبه بالنشرات السياسية التي كانت تصدر عن إدارة التوجيه السياسي العسكرية إبان حكم البعث، بلغتها الخشبية وتحويرها، إن لم نقل تزويرها للحقيقة والواقع.
كان الدور الأكبر للتقارير الإعلامية الغربية، والفيديوهات التي كان يبثها عناصر جيش الجولاني وقوات أمنه، الفخورون بجرائمهم، ولولا هذان العاملان لضاعت حقيقة أفظع حملة إبادة جماعية وتظهير عرقي يتعرض لها الدروز في القرن الواحد والعشرين.
كما يعلم الجميع، فإن الإعلام العربي بشكل عام، والخليجي بشكل خاص، لا يمكن فصله عن بنية عقل السلطة التي يتكلم باسمها، وعليه فإن السياسة الإعلامية التي انتهجتها تلك الوسائل لا تفيد سوى باستراتيجية هروب مقصود من قبل تلك الدول من الالتزامات والمسؤوليات، وهذا الهروب والتخلي العلني عن مسؤولياتها في حماية أمنها الإقليمي من الإخوان والإرهاب والتمدد الإسرائيلي.
وبالنظر إلى الجغرافيا التي هي مسرح الحدث، والتي يفترض أن تكون منطقة هامة واستراتيجية للأمن القومي العربي، إلا أن إعلام دول الإقليم العربي نسي كل هذا، ووضع كل ثقله وإمكاناته في خدمة رواية واحدة تقول ما يلي:
((لولا الدروز لكانت الأمة الآن تصلي في القدس)).
كدنا نحن الدروز أن نصدق، لولا أن صحتنا أصوات الثكالى والأرامل، وأصوات التكبيرات فوق رقابنا، ولولا الاجتماعات الأمنية التي تسرب خبر انعقادها، والتي كانت تجمع بين الأتراك وسلطة الجولاني وإسرائيل، والتي كانت تتم بحضور أردني، والجميع يعلم استطالة الدور الأردني إقليمياً من ناحية الرسائل المتبادلة بأكثر من اتجاه.
لقد تُرك الدروز لمصيرهم الدموي، ليس فقط تجاهلاً لقيمة الإنسان وحقه بالحياة، وهذا آخر ما تهتم به شرعة الأنظمة السياسية العربية تجاه أبناء أمتها، فما بالك تجاه جماعة تمثل لهم معضلة عجز التراث الإسلامي بلوثته المملوكية والعثمانية عن استيعابها واحتوائها، وجرّب حظه في إبادتها مرات ومرات.
نعم، تُرك الدروز للذبح لأن دول الإقليم العربي عجزت عن اتخاذ خطوة شجاعة تقول فيها لكل من الأتراك والإسرائيليين إن مسرح الأحداث هو عمق عربي استراتيجي، وإن الجماعة التي تقطنه هي مسؤولية عربية ليس إلا، ولم ترَ دول الإقليم العربي منفذاً لفشلها سوى في غسل عقول قواعدها الشعبية بشماعة مهترئة: (خيانة الدروز).
وفي حقيقة الأمر، فإن دول الإقليم العربي فوضت إسرائيل بالتدخل، استناداً إلى المبدأ القائل:
((اللهم اضرب الظالمين بالظالمين))
الزعامات الدرزية وأزمة الدور الوظيفي:
يكثف أحد العاقلين الانقياء مفهوم الزعامة لدى الدروز بالعبارة التالية (إن العلاقة التي تقوم بيننا وبين الزعماء تقوم على تعهد واحد فقط، فعهدنا كجماعة للفرد بالزعامة مقترن بتعهده بعدم المساومة على كرامتنا وتنتهي تلك العلاقة عند المساس بهذا التعهد)
أثرت حملة الإبادة على الجبل على العلاقات الدرزية ببعدها السياسي مع مؤشرات باحتمالية انتقالها لمرحلة الصدام ولا يخفى على أحد أن العامل الأساسي في المشهد السياسي الدرزي هو الزعامة سواء كانت دينية ام زمنية، كما ان الزعامات الدرزية الفاعلة مختلفة في عدة جوانب بدءاً من ظروف نشأتها ودورها وحتى وظيفة البعض منها، مروراً باختلاف مناطق توزع نفوذها الجغرافي، بالإضافة إلى الاختلاف في عمق تجربتها وقوة تأثيرها الإقليمي.
غالبية تلك الزعامات بقيت رهينة نفسها ومستقبلها أولاً وقبل أي شيء آخر، محاولةً إدارة الدفة ممتشقةً إما سيف الواقعية المفرطة أو رمح الرومانسية الحالمة.
أما النخب الدرزية السياسية والاجتماعية، التي تكاد تبتلع زعاماتها فكراً ونشاطاً ودراية وحضوراً، فقد بقيت أسيرة حسابات العائلات والنفوذ، وبقي مصير الإنسان في هذه الجماعة رهينة لشبكات مصالح وتحالفات تلك الزعامات، التي تختلف أقطابها باختلاف الجغرافيا، حيث نجدها في مكان ما تحالف رجال دين وفصائل مسلحة في مكان ما، وفي مكان آخر تجده تحالف عماده رجال سياسة صنعوا سطوتهم بعدما أخضعوا الجميع، من رجال دين وعائلات.
فالزعامات الدرزية ابتلعت حتى الأحزاب أو الجماعة السياسية التي كانت، في يومٍ ما، حاملها الفكري والسياسي والاجتماعي، الذي نقلها من أعتاب المتوسط إلى أقاصي الدنيا، وأسكنها التاريخ والذاكرة الجماعية.
وببساطة شديدة، لم تكن الزعامات الدرزية بحجم المأمول منها، لا على مستوى خطابها ولا على مستوى تأثيرها، فلم تكن استجابتها بحجم المحنة التي مرت بها السويداء.
لقد تأثرت السويداء طوال المائة عام الماضية بأفكار تلك الزعامات وطموحاتها وأحزابها وتحالفاتها أيضاً، وكان للسويداء تضحيات على دروبها ومسيرتها، وحتى في إعادة تموضعها السياسي، كان أبناء السويداء لا يُعفون من خضاتها، ودفعوا الغرم دون كسب الغنم..
غلب على أداء الزعامات إما دور الجريح الغاضب والمستأثر بإدارة دفة القيادة، الجديد في دهاليز لعبة المصالح، وإما دور الواعظ المؤنب والمتوعد بالعقاب، لجماعة عنيدة صاغت بنضالات أجدادها قيمه ومفردات خطابه، وضاع الناجون بين أمل الخلاص ونبوءات سوء العاقبة، في حين ضاع إخوتهم بين العتب على أخيهم المذبوح وبين مد يد النجدة له.
بات الوعي الجمعي للدروز أسير المتناقضات، إما مسار الإذعان المؤدي للانصهار المحيد عن الفعالية الحرة الكريمة، وإما الانسلاخ المتخبط الغير واضح والغير آمن في مساره وتداعياته.
أما الزعامات الأخرى، فقد اقتصر دورها على الغضب والتخبط وقلة الحيلة.
بقي للناجين فقط ذلك الخيط المتين الذي رسخته قيمة حفظ الإخوان، والتي جعلت الدعم الأهلي صريحاً لا لبس فيه، وهو ما لمسه أبناء السويداء من إخوتهم الدروز في مناطق انتشارهم ، من دون أن يقترن ذلك بدعم سياسي من زعامة أو حزب ما، كما لم تغلفه الروح النضالية التي كانت ملتهبة طيلة السنوات السابقة، حيث بقي الدعم أهلياً لضحايا الإبادة من السويداء ببعده الاجتماعي والديني ومنظومة القيم التي لا تمسها حسابات الأحزاب.
حق تقرير المصير بين الواقع والطموح:
أطلقت السويداء عنوانها السياسي الجريء والصادم، وهو حقها في تقرير مصيرها، وللأمانة الشديدة فإن من أطلقوا هذا العنوان هم أكثر أبناء السويداء انغماساً بالوجع السوري وقضية الإنسان في سوريا. ولعلهم الأكثر صدقاً وانتماءً لقيم الديمقراطية والمواطنة، حيث تكمن غفلتهم في افتراضهم أن تلك القيم هي جوهر تضحيات السوريين، وهي بمثابة بديهيات ولا يجب النقاش فيها.
صدق الغافلون أن السوريين مجتمع وليسوا مجتمعات، كما صدقوا أن غاية التضحيات السورية على مدار عقود مآلها دولة ديمقراطية عمادها ثقافة حقوق الإنسان.
لم يخيل لهم في يوم أن يُشتموا أو يُقتلوا أو يُستباحوا فقط لأنهم دروز، اعتقدوا لربما عن سذاجة أو عن خديعة، بأن الغاية هي الحرية والكرامة الإنسانية وليس فائض قوة للطائفة.
تصاعد النقاش بعد النجاة عن جدوى الجدال مع السلطة ومؤيديها حول المفاهيم والشعارات التي تنفثها السلطة في وجه السويداء وتتهمها بخيانتها، لإلغاء وجودها وإبادتها مادياً وسياسياً.
فالوطنية السورية التي تؤسس على منطق غلبة الجماعات، والتي تجسد شكلها وعمقها وأثرها قول الجولاني: (أطيعوني ما أطعت الله فيكم)، وأهازيج جمهوره: (لبت لبت)، هي انتحار جماعي للسويداء ولكل من يختلف مع السلطة وجمهورها، فالإنسان الحر الكريم هو غاية أي فعل سياسي، ومشروع السلطة وفعلها نقيض ذلك.
إن الوطنية السورية الحقة التي قتلتها حملة الإبادة في نفوس أبناء السويداء، لم تكن بالنسبة لهم شعاراً، بل هي صناعة مخضبة بدمائهم منذ أوائل نشوء الدولة السورية، يشهد عليها التاريخ والجغرافية من صخور اللجاة وسهول المزرعة إلى وادي سرحان، كما أن عنوان وحدة سورية لم تبذل فيه بقية الجغرافية السورية جهداً وإنكاراً لذاتها وتغاضياً عن محاولات إبادتها كما اجتهدت لأجله السويداء.
نسي السوريون أن السويداء امتزجت بالوطنية السورية الوليدة في مطلع القرن العشرين بعد عقدين فقط من حملة إبادة قادها سامي الفاروقي، وبعد ثلاثة عقود من حملة ممدوح باشا، وفي ظنها حينها أن الاضطهاد الديني هو آفة مملوكية وعثمانية وليست من قيم السوريين أو العرب، وهذا ما خاب ظنها به بعد مائة عام.
أما العروبة المنسوجة على مقاس الأنظمة الرثة ومؤامراتها، فهي التي جعل تلك الأنظمة تصمت أو تشارك في ذبح الدروز وتبرر ذبحهم و تسوق له ، لقد ثبت لأبناء السويداء أن العروبة الحضارية التي تتغنى بتنوعها، والتي كانوا يريدون من خلالها صياغة وجودهم الحر والتلاحم مع أبناء محيطهم، أضحت في خبر كان، وعجزت تلك العروبة عن إغاثتها وإكرامها رداً لجميلها.
أما الإسلام السياسي الجهادي فإنه يعتبر بالنسبة لأبناء السويداء، من حيث مضمونه وشكله ومساره، انحداراً أخلاقياً وحضارياً لا يمكن الركون له بأي حال من الأحوال، سيما أن هذا المنهج من الإسلام جرب لعقود عديدة إبادة الدروز والعلويين والمسيحيين والتنكيل بهم إبان الحقبة المملوكية والعثمانية.
والجدير ذكره أن المشهد العربي الإسلامي في هذه اللحظة التاريخية يقوم على تلك المفاهيم المشوهة التي تشكل ركائز السلوك المافيوي لما اصطلح على تسميته اليوم بالصحوة الإسلامية.
بقي لأبناء السويداء بعد الإبادة فقط منظومة القيم والمبادئ الإنسانية بعدما كل هذا التخلي والخذلان، حيث وجدت السويداء في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان ضالتها وأملها في سعيها نحو النجاة.
وبالفعل استطاعت السويداء الخروج من دائرة الشعار السياسي إلى دائرة الفعل السياسي بأقصى سرعة وفي ظروف كارثية، فآثار المجزرة ووقعها كفيل بتعطيل الفكر والنفس لفترات مديدة.
تلقف العديد من أبناء وبنات السويداء مطلب حق تقرير المصير، واستطاعوا بناء أول فعل سياسي حقوقي بجدية وتنظيم عاليين المستوى من خلال حملة -حق تقرير المصير -مطلب السويداء-، والتي نتج عنها مائة وسبع وعشرون ألف توقيع خطي وأكثر من مائة ألف توقيع إلكتروني، وثقت تلك الحملة الإرادة الشعبية في السويداء في اللحظة السياسية التي أعقبت جريمة الإبادة الجماعية، والتي اختارت اللجوء إلى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والمجتمع الدولي مطالبة بحقها بالحياة والكرامة وحقها في اختيار الشكل الذي تعيد صياغة وجودها من خلالها على أرضها وبسواعد أبنائه.
بذل منظمو الحملة جهوداً جبارة بلحمهم الحي وبإمكانياتهم الذاتية وبظل تشكيك وإحباط وسلبية قل نظيرها، حيث تظافرت جهود أبناء وبنات السويداء في الداخل والخارج لإنتاج فعل سياسي حقوقي يمثل السويداء بفكرها وإمكانياتها وطموحها.
يدرك أبناء السويداء أن مسار حق تقرير المصير مسار عسير ومحفوف بالتحديات، إلا أن التزامهم أمام أبنائهم وبناتهم بعدم السماح بتكرار الإبادة يجعل هذا العناء مستحقاً مهما بلغت كلفته من تعب.
كما أنهم على يقين بأن هذا المسار لا يمكن أن ينجح بالشعارات وحدها، بل يقتضي الجدية والعمل الدؤوب من الجميع، ولا سيما من صانعي القرار والكتل السياسية والاجتماعية. فالخطوة الأولى في أي مشروع جاد تبدأ ببناء إدارة تستند إلى شرعية شعبية حقيقية، تكسب قراراتها وإجراءاتها المشروعية اللازمة، بما يؤمن الحد الأدنى من الاستقرار في العلاقات بين أبناء الجبل وينظم شؤونهم العامة.
إن التحديات التي تعترض هذا المسار كبيرة، وفي مقدمتها اعتبارات الأمن الإقليمي للدول، والتي تعد من أكثر المبادئ الدولية تأثيراً في تعطيل أو تقييد مشاريع تقرير المصير. غير أن الإدارة القائمة على الحوكمة الرشيدة والكفاءة والتمثيل الشعبي هي وحدها القادرة على تحقيق الاستقرار، ومكافحة الجريمة، وصيانة حق الجبل في الدفاع المشروع عن نفسه. وعندها يصبح احترام هذه التجربة والتعامل معها أمراً تفرضه الوقائع، حتى على الأطراف التي تناكف الجبل اليوم في سعيه إلى حماية أمنه وكرامته.
وأياً تكن مآلات هذا المسار السياسي وما يعترضه من عثرات ومشاق، فإن بناء إدارة ناجحة وشرعية بوسائل ديمقراطية، تثبت كفاءتها ومشروعية أدائها، يجب أن يكون مكسباً يتمسك به أبناء الجبل مهما كانت الإغراءات أو الضغوط السياسية. فذلك، في نهاية المطاف، هو الضمانة الأهم لحماية المجتمع من نوائب المنطقة وفواجع التطرف وتقلبات السياسة.
وفي معرض الرد على بعض الساخرين من محاولة النجاة التي يسعى إليها أهل الجبل، فإن واقع الحال يقود إلى نتيجة باتت شبه بديهية لدى أبناء السويداء، وهي أن أحداً لن يستطيع إقناع طفل في الجبل بأن تكون إدارة شؤونه سيما العسكرية والأمنية بيد غير أبنائه.
كما أن العامل الحاسم في أي مشروع سياسي ناجح هو الإرادة. وهذه الإرادة، في حالة الجبل ، أكثر نضجاً من تجارب كثيرة بدأت كجماعات بشرية صغيرة على هامش التاريخ ثم تحولت، مع الزمن، و مع نعمة النفط إلى كيانات سياسية كاملة.
غير أن الإدارة المنشودة ليست شأناً خدمياً أو تقنياً فحسب، بل هي أيضاً إدارة سياسية تنقل السويداء من حالة القيادة الفردية إلى حالة القيادة الجماعية. لقد آن الأوان لأن يكون للفرد في السويداء تأثير مباشر في القرارات المتعلقة بمصيره ومصير أبنائه. وليس في ذلك انتقاص من جهود أو تضحيات من رسموا المسار السياسي للجبل خلال القرن الماضي، بل هو استجابة لتحولات الزمن، إذ لم يعد الجبل اليوم كما كان في مطلع القرن العشرين أو حتى في أواسط القرن التاسع عشر.
فالقرار السياسي في السويداء يشبه السير في حقل ألغام، وكل خطوة فيه تحمل قدراً من المخاطر. ومن هنا فإن الإبقاء على صيغة القائد الفرد قد لا يكون في مصلحة الجبل، ولا في مصلحة ذلك القائد نفسه، أياً كان موقعه أو رمزيته.
ولا يجب أن يفهم من ذلك التخلي عن المرجعيات بما تمثله من رمزية و إرث ، بل في ما أورده هو حفاظ عليها و الإبقاء على وهجها و حمايتها من السجال السياسي و الأخذ و الرد و محاولة الشيطنة ،سيما في ظل معارك لا تحدها ضوابط و لا أخلاق و لا آداب.
إن العمل الدؤوب لإنجاز الإدارة السياسية والخدمية في السويداء، المستندة إلى شرعية وإجماع، هو أول الخطوات وأهمها لمواجهة التحديات القائمة، والتي ليست أولها أزمة التموضع السياسي في هذه الجغرافيا السياسية المتلاطمة، ولا آخرها الابتزاز المتواتر الذي تمارسه سلطة الجولاني بحق السويداء.
فدور الإدارة سيكون معقداً، لكنه منتج وفاعل لجهة ترجمة تموضع السويداء السياسي وتعريفه وتقديمه، سيما أن الوعي الجمعي للغالبية لا يزال يعيش تناقضات عميقة، مع وجود ثابت وحيد هو الإبادة.
ففي الوقت الذي يرى فيه جزء معتبر من سكان السويداء أن الباشان، بدلالته، هو طوق النجاة، يرى جزء آخر أن في ذلك قفزة في المجهول.
وهنا من المفيد القول إنه وإن كان أبناء السويداء ودروز سوريا بالعموم لا ينكرون الأثر الكاشف للمسار الذي سلكه الشيخ حكمت الهجري في إدارة الملف السياسي للسويداء، والذي كشف عن واقع اجتماعي سياسي خطير يهدد وجود الأقليات بالعموم والدروز على نحو خاص، كما لا ينكرون عليه أيضاً يقظته تجاه مخططات سلطة الجولاني إلا أن ذلك لا يعفي حركته السياسية من الأخطاء أو حتى من عيوب التقدير والتدبير.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن الانتقال من أقصى سياسي تمثل بالمطالبة بمدنية وعلمانية الدولة السورية، إلى أقصى آخر بعد الإبادة تمثل بإعلان تحالف مع إسرائيل وشكرها بشكل متواتر في أدق مرحلة سياسية وعسكرية تمر بها المنطقة، وفي ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية من جهة والإيرانية من جهة أخرى، هو انتقال يراه البعض مغامرة لا توحي بنهج سياسي يحقق النجاة لجماعة تعاني مآزق وجودية بقدر ما تعاني مآزق تنظيمية.
في المقابل، يدافع جزء معتبر أيضاً عن فكرة أن النجاة قد تكمن بالاصطفاف مع أمريكا وإسرائيل، سيما أن المرحلة بالنسبة لهم مرحلة مواجهة، ولا يرون خيارات أخرى مجدية أو مأمولة في ظل الواقع الإقليمي والدولي.
فواقع الحال يفيد بأن الآراء في السويداء، وإن تقاطعت في توصيف المشروع الإبادي المتربص بالدروز ، إلا أنها تختلف في النظر إلى دور إسرائيل ودول الإقليم
فشريحة واسعة من دروز السويداء ترى أن إسرائيل كانت المنقذ من حملة الإبادة، بينما ترى شريحة أخرى أن إسرائيل أوقفت الإبادة لكنها كانت تملك القدرة على منع تلك المذبحة أو الحد منها، ويذهب بعض آخر، وفق منظور المؤامرة، إلى اعتبار إسرائيل طرفاً فاعلاً أو مساهماً فيها.
وهذا، وفق منطق المسؤولية، يرتب على الإدارة القادمة المأمولة أن تضع المحددات اللازمة التي تؤسس لتموضع حذر للجبل في هذا الشرق العاصف.
وإن كنت أرى شخصياً، وبكل تواضع، أن مقتضيات حفظ الذات والانسجام مع القيم وفهم الذات العميق لا تقتضي أن يذهب الدروز من حالة العداء إلى حالة التحالف.
فخروج حالة العداء لإسرائيل من وعي جزء وازن من دروز سوريا لا يجب أن يقترن بالقفز إلى موقع الحليف، رغم ما يكتنف مصطلح الحليف من مبالغة بالنظر إلى تباين الإمكانيات والحجم والدور.
ولابد في ظل التحول الكبير الذي حصل في علاقة الجماعات في سوريا مع بعضها، من إعادة تعريف الدروز لدورهم وفعالياتهم السياسية في المنطقة وهذا أضحى أمراً مطلوباً بما يوائم حماية وجودهم ويؤمن مصالحهم ولا يناقض هويتهم، ولا أعتقد أن دور الدروز في المرحلة القادمة سيكون مشابهاً للدور السابق بعد الطعنة القاسية التي تلقوها.
ولعل السويداء، كجغرافيا ومجتمع، وفي ظل رغبة أبنائها الدائمة بالفعل والتأثير والتأثر، وبالنظر إلى إمكانياتها وطبيعتها، لا يمكن أن تكون إلا مساحة حوار ورافعة اجتماعية سياسية لقيم السلام بين جماعات الشرق الأوسط.
فإذا كانت السويداء لا تملك التأثير على مصالح الدول لصناعة السلام بينها، فإنها على الأقل أقرب إلى أن تكون صانعة حوار وسلام بين الجماعات من أن تكون مقاتلاً في ضفة مقابل ضفة.
ولعل أكثر صناع السلام نجاحاً هم أولئك الذين خاضوا الحروب لسنوات طويلة وأدركوا قيمة السلام.
وهذا الدور لا يمكن أن تصنعه السويداء لنفسها إلا بعد تأمين ذاتها وحماية نفسها، ولا يفرض بأي حال من الأحوال التخلي عن وظيفتها الأساسية في حماية نفسها وامتلاك كافة أسباب القوة التي تجعل ذلك ناجعاً.
ومن دون الدخول في عمق العقيدة التوحيدية، فإن ما يمكن تلمسه من جوهرها هو ما ينسجم مع هذا الموقع؛ موقع صانع السلام، أكثر من أي شيء آخر، فلا تبشير ولا تذخير ولا تفجير.
وفي إطار محاولة متواضعة لتعريف دور الجماعة الدرزية في سوريا في ظل أزمة الجغرافيا التي تعيش فيها وحساسيتها، وفي ظل ما تيسر فهمه من البعد العقائدي بطبيعته غير التبشيرية والقائمة على حضور التوحيد كعقيدة في ظل الديانات السماوية، فإن أكثر الأدوار التي قد تشكل لدروز سوريا مساحة آمنة وفاعلة ومفيدة هي دور ووظيفة صناعة السلام وإرساء ثقافة الحوار.
وعليه، فإن العلاقات التاريخية التي يملكها الدروز كجماعة وكأفراد والتي تربطهم مع محيطهم، كما أن الثقافة التوحيدية تكرس حرية الاعتقاد والتفكير والرأي وتقديس العقل، تجعل هذه الجماعة بطبيعتها أقرب لتكون مساحة حوار وصناعة سلام، لا حليفاً لجهة ضد جهة ولا بندقية مقاتلة لإمبراطورية ضد إمبراطورية.
…………….. انتهى………………..
رحم الله الشهداء، التحية لتضحيات المقاتلين، التحية والفخر بكل سيدة وشاب من أبناء الجبل الأشم.
اياد الشعراني
محامٍ وناشط سياسي
