في جلسة مجلس النواب لمناقشة مسار وعمل الحكومة بدا الاستنفار النيابي على أشده للاستعراض الاعلامي، وكل نائب أو فريق نيابي يجهز “ترنداته” لإبهار ناخبيه واللبنانيين، وكأن كل جلسة هي فرصة للظهور والتأكيد للناس أن ممثليهم يعملون بجهد وتعب.
ولكن
رغم كل الغبار المحيط بالجلسة والبهلوانيات الصبيانية والقفشات والأسقف المرتفعة، هناك مفاتيح ومفاصل دالة على محور الجلسة يجب التوقف عندها، والعبارات الذهبية محصورة ببضعة نواب يعوّل عليهم وعلى مواقفهم، وأبرزها في هذه الجلسة الملف المالي بشقيه: الموازنة وأموال المودعين.
والجميع هنا انتظر مواقف رئيس الحكومة ورئيس لجنة المال والموازنة ابراهيم كنعان ووزارة المالية، ليقرأ اتجاه هذا الملف ليعود ويخيب الظن، كما العادة، في ايجاد حلول لأزمة البلاد العميقة.
من هنا، وبغض النظر عن التذبذب والغموض بالمواقف في القضايا الوطنية الكبرى من الجنوب ومسار التفاوض الى السلاح، بدا خطاب النائب ابراهيم كنعان غامضاً ومتأرجحاً ومتهرباً في حسم موقفه من المسائل المالية ومعالجة الاستحقاقات الوطنية في الانقاذ من الكارثة التي حلت على اللبنانيين منذ سنوات.
كنعان خلال الجلسة كان موقفه متناقضاً بين انتقاد الحكومة والتوافق معها، وقد استكمل حيناً ما شاركت به لجنة المال في تموز 2026 بإقرار تعديلات على القانون بهدف ضمان استرداد الودائع والدفع بتعديلات قانون إصلاح المصارف بالتنسيق مع الحكومة ومصرف لبنان، ويعود حيناً آخر لانتقاد الحكومة واتهامها بالتقصير او المواربة في معالجة القضايا الحياتية ومشروع قانون الفجوة المالية، بداعي رفضها من صندوق النقد الدولي ومصرف لبنان،
وهنا تقول أوساط سياسية متابعة بأن “مواقف كنعان لا تتناسب مع موقعه في لجنة المال وتطرح سؤالاً مختلفاً: إذا كان كنعان يحمّل الحكومات السابقة ومصرف لبنان والمصارف مسؤولية الخسائر، فلماذا لم تُحسم قضية توزيع الخسائر واسترداد الأموال بعد سنوات من ترؤسه لجنة المال؟”.
وتضيف الأوساط “هل يمارس كنعان رقابة فعلية على الحكومة أم يتعاون معها في تمرير قوانينها المالية؟”
كنعان والتيار
خلال الجلسة كان لافتاً التشويش النفسي الذي مارسه “الشركاء السابقين” من نواب التيار الوطني الحر على كلمة كنعان، حين تعمد رئيس التيار النائب جبران باسيل التحدث الى المقاعد الخلفية التي يجلس عليها النواب سيزار ابي خليل وندى البستاني بهمس الكلمات أو بلغة الجسد المستهتر أو بحركات الوجه الدالة على عدم الاهتمام بكلمته (بدت واضحة إن كانت مقصودة أو عفوية بالصدفة) وكأن التيار يستكمل “المشكل” مع كنعان بالانتقادات التي وجهت له سابقاً واتهامه بالتواطؤ مع المصارف وما تردد عن “هدايا فقرا” حين أقام هناك خلال حركة 17 تشرين وعلاقته المتينة بالبنية العميقة للاقتصاد اللبناني الريعي.
وبعيداً عن اليوم الاعلامي في مجلس النواب، يوجه عدد من المراجع انتقادات عديدة لأداء كنعان، فهو عليه أن يقرر أين موقعه:
– خرج من التيار الوطني ولم يخرج من العباءة العونية
– بسرعة البرق قفز من مركب العهد السابق الى حضن رئيس الجمهورية الحالي
– علاقة متينة مع الرئيس نبيه بري ومن خلاله وعبره نحو حزب الله وعلى خطٍ موازٍ خطوط مفتوحة مع الغرب من بريطانيا الى الولايات المتحدة الأميركية
– سرعان ما يقارن المتابعون بين مواقفه ومواقف الرئيس الياس بو صعب الواضحة والحاسمة وهما من ذات القضاء والمنطقة وعلى ذات التجربة ووبذات الأزمة مع التيار والعلاقة مع بقية القوى المسيحية.
– كيف يوفق كنعان بين خطاباته عن الشفافية وبين كل ما قيل سابقاً عن ملفات مالية وعقارية بقيت موضع تساؤل؟
– من يتابع النائب كنعان برحلاته بين بكركي وبعبدا يستنتج أنها حركة لا تتعدى الاطلالات الاعلامية، فكيف “يقرش” حركته لاحقاً في صندوق الاقتراع؟
إذن وبخلاصة سريعة
هل يمكن معالجة ملفات خطيرة ودقيقة فقط باللعب على الكلمات والتناقض بين المواقف من رجل تعدى موقعه المقعد النيابي الى ترؤوس لجنة المال والموازنة وخطورة هذا الموقع في هذا الظرف من عمر البلاد؟
موقعه الآن يتطلب عملاً استثنائياً ومروحة علاقات واسعة وابتكار حلول منصفة لقطاعات متعددة كي نخرج من شرنقة اللإنهيار القاتل.
العرض مستمر: أحجيات وحزازير ابراهيم كنعان – عامر ملاعب
